كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية عن تفاصيل عملية عسكرية سرية نفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي في عمق الأراضي السورية، وصلت إلى مسافة 38 كيلومترًا من الحدود، قرب العاصمة دمشق. وأشارت إلى أن العملية التي استغرقت 14 ساعة، بمشاركة قوات احتياط من الفرقة 210 ووحدات أخرى بينها كتيبة الاحتياط الدرزية “حيرف 299″، استهدفت قاعدتين سوريتين مهجورتين بقيتا ممتلئتين بالأسلحة الثقيلة والذخائر.

وبحسب التقرير، صادرت قوات الاحتلال خلال العملية نحو 3.5 أطنان من المتفجرات والأسلحة من أصل سبعة أطنان كانت مخزنة في تلك القواعد، فيما لفتت المصادر العسكرية إلى أن العملية جرت وسط ظروف ميدانية معقدة، في محاولة لتعطيل خطوط تهريب الأسلحة نحو حزب الله اللبناني. كما صادرت القوات قافلة شاحنات محملة بقذائف وصواريخ مضادة للدروع كانت متجهة شمالًا، قائلة إن مصادرتها تمت “بمحض الصدفة” خلال التوغل الليلي.

ويرى الجيش الإسرائيلي أن هذه العملية هي جزء من استراتيجية أوسع لـ”تنظيف” المناطق الحدودية داخل العمق السوري من الأسلحة، ومنع أطراف معادية من استغلال الفراغ الذي خلفه انهيار الجيش السوري في تلك المناطق منذ سنوات الحرب.

 

جبل الشيخ.. موقع استراتيجي “لا تنازل عنه”

في موازاة هذه العملية، شدد ضباط في جيش الاحتلال على تمسكهم بقمة جبل الشيخ السوري، التي سيطرت عليها القوات الإسرائيلية قبل نحو عشرة أشهر، واصفين إياها بأنها موقع استراتيجي بالغ الأهمية لا يمكن التنازل عنه. وأوضحوا أن السيطرة على القمة تتيح لهم رؤية مباشرة نحو مواقع عسكرية سورية حساسة، منها مقر قيادة الفرقة المسؤولة عن منطقة الجولان في قاعدة “محاني يتسحاك” (نفح)، الذي كان هدفًا للقوات السورية في حرب تشرين 1973.

وأشار التقرير إلى أن الجيش أقام منذ ذلك الحين ثمانية مواقع عسكرية على امتداد شريط بعمق خمسة إلى عشرة كيلومترات داخل الأراضي السورية، في خطوة تشي بنوايا إسرائيلية للتمدد التدريجي شرقًا ضمن سياسة فرض الأمر الواقع. كما أوضح الضباط أن القمة تمنح القدرة على مراقبة طرق التهريب الممتدة نحو جنوب لبنان، وكشف خطوط إمداد يعتبرها الجيش “شريانًا لوجستيًا لحزب الله”، إضافة إلى الإشراف على طريق دمشق–بيروت الحيوي والبقاع اللبناني الذي يعدّه الجيش مركزًا خلفيًا لوجستيًا لحزب الله.

هذه التصريحات تؤكد أن تل أبيب لم تعد ترى وجودها في جبل الشيخ مؤقتًا أو تكتيكيًا، بل تعتبره نقطة ارتكاز دائمة ضمن استراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى التحكم بالممرات البرية الحيوية في المثلث السوري-اللبناني-الإسرائيلي.

اختراق للسيادة السورية ومحاولة فرض واقع تقسيمي

يثير هذا التوغل العسكري الإسرائيلي تساؤلات كبرى حول نوايا تل أبيب في الأراضي السورية، خاصة في ظل حالة الفراغ الأمني الناتجة عن انهيار نظام بشار الأسد في ديسمبر الماضي وتولي الرئيس أحمد الشرع مقاليد السلطة في دمشق. فبينما يحاول النظام الجديد ترميم مؤسسات الدولة واستعادة سيادتها على كامل الأراضي السورية، تتحرك إسرائيل لترسيخ وجود عسكري متدرج داخل العمق السوري، بحجة منع تهريب السلاح إلى حزب الله.

لكن القراءة التحليلية للوقائع تشير إلى أن هذه العمليات ليست مجرد تحركات وقائية، بل تحمل ملامح مشروع لتكريس مناطق عازلة بحكم الأمر الواقع، وتشكيل شريط نفوذ دائم يمتد من الجولان المحتل حتى مشارف دمشق. وهو ما يعيد إلى الأذهان سياسة “الحزام الأمني” التي اتبعتها إسرائيل جنوب لبنان طوال عقود، قبل أن تنهار تحت ضربات المقاومة اللبنانية عام 2000.

ويحذر مراقبون من أن هذا النهج الإسرائيلي، إن تُرك دون ردع، قد يؤدي فعليًا إلى تقسيم سوريا ميدانيًا، بحيث تتحول مناطق الجنوب إلى منطقة نفوذ إسرائيلية غير معلنة، مقابل بقاء الشمال والشرق تحت نفوذ قوى إقليمية ودولية أخرى. وهو ما سيجعل استعادة الدولة السورية لوحدتها وسيادتها أمرًا بالغ الصعوبة في المدى المنظور.

توظيف الأوضاع الطائفية وتبادل المصالح مع الدروز

ولم تقتصر العملية على الجانب العسكري فقط، إذ لفت التقرير الإسرائيلي إلى أن القوات التقت خلال توغلها بمجموعات من السكان الدروز في قرية رخلة على مشارف دمشق، زاعمة أنهم طلبوا مساعدتها بعد تعرض قراهم لهجمات من فصائل مسلحة. وادعى الجيش الإسرائيلي أنه قدم مساعدات إنسانية لهؤلاء السكان مقابل حصوله على معلومات حول مواقع مخازن أسلحة سورية قديمة.

ويشير هذا السلوك إلى محاولة تل أبيب توظيف البنية الطائفية السورية لصالحها، عبر بناء علاقات مع بعض المكونات المحلية، على غرار ما فعلته سابقًا في جنوب لبنان مع ميليشيات جيش لحد، ما يعزز الشكوك حول مساعيها لإنشاء حزام موالٍ لها داخل الأراضي السورية.

خلاصة: غطرسة احتلالية وفراغ مغرٍ للتمدد

في المحصلة، تعكس العملية العسكرية بعمق 38 كيلومترًا داخل سوريا، والتشبث بقمة جبل الشيخ، مزيجًا من الغطرسة الاحتلالية واستغلال حالة الانهيار التي تعيشها الدولة السورية منذ سقوط نظام الأسد. فإسرائيل باتت تتصرف وكأنها طرف وصي على جنوب سوريا، تنفذ عمليات داخل أراضي دولة ذات سيادة دون حسيب أو رقيب، في خرق صارخ للقانون الدولي.

ومع أن تل أبيب تبرر هذه العمليات بذرائع أمنية تتعلق بتهريب السلاح إلى حزب الله، إلا أن جوهرها يكمن في محاولة تكريس واقع تقسيمي جديد في سوريا، يضمن لإسرائيل السيطرة على عقد جغرافية حيوية وحرمان الدولة السورية الجديدة من استعادة سيادتها الكاملة على أراضيها. وهو ما يجعل التصدي لهذه الغطرسة الإسرائيلية اختبارًا حاسمًا أمام القيادة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، التي تجد نفسها أمام مهمة مزدوجة: إعادة بناء الدولة، ومنع تفككها.

اقرأ أيضًا : نجاة مسؤول قطري من قصف الدوحة.. كاد اغتياله يشعل كارثة إقليمية