كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية أن مسؤولًا قطريًا بارزًا نجا صدفة من محاولة اغتيال إسرائيلية خلال الهجوم الجوي الأخير على العاصمة القطرية الدوحة، بعدما كان من المقرر أن يحضر اجتماعًا حساسًا مع قيادات حركة حماس داخل الموقع المستهدف. ووفقًا للصحيفة، فقد تم تأجيل الاجتماع قبل ساعة أو ساعتين فقط من وقوع القصف، ما أنقذ حياته، رغم أنه يعد صلة وصل دائمة بين الحركة والسلطات القطرية والإسرائيلية.

ونقلت الصحيفة عن مصدر قطري أن المسؤول، الذي يُطلق عليه زملاؤه مازحين لقب “عبد الله كوهين” في إشارة مزدوجة تجمع بين الهوية العربية ودور الوسيط الأمني، يرتبط بعلاقات مباشرة مع رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ويُنسّق معه في الملفات الأمنية والوساطات الحساسة. وأضاف المصدر أن “موته داخل مكان القصف كان سيشعل أزمة دبلوماسية خانقة بين الدوحة وتل أبيب، وربما بين قطر وحلفائها الغربيين، إذ سيُنظر إلى الحادث كاغتيال سياسي مباشر لدولة تقوم بدور الوسيط”.

تحذيرات من كارثة استخباراتية ودبلوماسية

بدورها، أكدت “يديعوت أحرونوت” أن مصادر أمنية إسرائيلية بارزة حذرت مسبقًا من أن الهجوم حتى وإن نجح في تصفية قادة حماس، فإنه كان سيفضح قدرات استخباراتية حساسة لدى الاحتلال، منها معرفته بشبكة المنازل الآمنة التابعة للحركة في الدوحة. وقال مصدر أمني للصحيفة إن العملية كانت “مقامرة مكلفة جدًا” وكان واضحًا منذ البداية أنها ستؤدي إلى خسائر عملياتية تفوق المكاسب المحتملة، خصوصًا في ظل وجود شخصيات حساسة من دول عربية وغربية في الدوحة.

ويشير مراقبون إلى أن استهداف العاصمة القطرية — التي تستضيف أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط وتعد مركزًا دبلوماسيًا حاسمًا — ينطوي على تهور بالغ، إذ يهدد بتقويض مكانة قطر كوسيط دولي، ويفتح الباب أمام انهيار كل قنوات التفاوض غير المباشر بين حماس وإسرائيل. فنجاة المسؤول القطري حالت دون اندلاع أزمة غير مسبوقة كان من الممكن أن تدفع الدوحة إلى إغلاق خطوط الوساطة وتجميد التنسيق الأمني والاستخباراتي مع واشنطن ولندن وباريس.

حماس: استهداف الدوحة إطلاق نار على ورقة ترامب

من جانبه، وصف القيادي في حركة حماس أسامة حمدان محاولة اغتيال وفد الحركة في الدوحة بأنها “إطلاق نار مباشر على ورقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب” التي كانت تُطرح كأساس لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى. وأوضح حمدان في مقابلة تلفزيونية أن الاحتلال بدلًا من انتظار رد الحركة على المقترح الأمريكي، اختار الرد بقصف الدوحة، ما اعتبره انقلابًا إسرائيليًا صريحًا على مسار المفاوضات.

وأضاف أن رفض إسرائيل الرد على ورقة الوسطاء منذ 18 آب/أغسطس الماضي، وشنها سلسلة اغتيالات وعدوانات متتالية، كلها مؤشرات على نية مبيتة لإفشال أي تسوية سياسية قد توقف عدوانها على غزة وتُطلق سراح الأسرى. وتابع: “ننتظر ما ستسفر عنه الجهود التي تبذلها قطر ومصر، ونأمل أن يكون هناك ضغط أمريكي حقيقي على حكومة الاحتلال لوقف إطلاق النار”.

جهود الوساطة في مهب الريح

ورغم فشل الهجوم في تحقيق هدفه، إلا أنه ألقى بظلال ثقيلة على جهود الوساطة القطرية المصرية التي كانت قريبة من تحقيق انفراجة، وفق حمدان. وأكد أن كل محاولة تقارب كانت تنكسر عند حاجز “الاغتيال” الذي يستخدمه الاحتلال كأداة سياسية لتفجير مسارات الحل. ورأى أن قطر ومصر أثبتتا قدرة استثنائية على امتصاص صدمات الاحتلال والمضي قدما في الوساطة، لأن الهدف الأسمى هو وقف العدوان وحماية المدنيين في غزة والمنطقة.

وأشار إلى أن التحركات الدبلوماسية لرئيس الوزراء القطري في واشنطن تمثل فرصة أخيرة لإعادة بناء الثقة، لكن نجاحها مشروط بإرادة أمريكية حقيقية لفرملة آلة الحرب الإسرائيلية.

هجوم دموي واتهامات بالإرهاب

وكان الهجوم الإسرائيلي قد استهدف مقرًا سكنيًا لقادة حماس في الدوحة يوم الثلاثاء الماضي، وأسفر عن استشهاد همام نجل القيادي البارز خليل الحية، ومدير مكتبه جهاد لبد، وثلاثة مرافقين، إضافة إلى عنصر أمني قطري، بينما نجا قادة الحركة بأعجوبة. وأدانت الدوحة الهجوم بشدة واعتبرته “إرهاب دولة“، مؤكدة احتفاظها بحق الرد على العدوان.

ويرى محللون أن هذه العملية تكشف الطبيعة الإجرامية للاحتلال الإسرائيلي، الذي لم يتورع عن قصف عاصمة عربية مستقرة تلعب دور الوسيط، في سابقة خطيرة تهدد أمن المنطقة برمتها. فاستهداف وسطاء مفاوضات السلام، سواء في الدوحة أو غيرها، يمثل انتهاكًا سافرًا للأعراف الدولية، ويضع الاحتلال في خانة “الكيانات المارقة” التي تضرب بعرض الحائط كل قواعد النظام الدولي.

خاتمة: محاولة اغتيال كادت تغير وجه المنطقة

نجاة المسؤول القطري، وإن جاءت بمحض الصدفة، جنّبت الشرق الأوسط كارثة دبلوماسية قد تشعل حربًا إقليمية مفتوحة. فاغتياله داخل الدوحة كان سيُفسر كعدوان مباشر على دولة ذات سيادة، ويضع إسرائيل في مواجهة مفتوحة مع قطر وحلفائها الغربيين والعرب. وما جرى يثبت أن الاحتلال بات يستخدم الإرهاب والاغتيال كأداة تفاوض، في نهج قد يرتد عليه سياسيًا وأمنيًا، ويفقده آخر ما تبقى من شرعية دولية.

اقرأ أيضًا : تمرد داخل جيش الاحتلال: محاكمة جنود رفضوا العودة إلى غزة تكشف عمق الإنهاك النفسي والعسكري