كشفت هيئة البث الإسرائيلية مؤخرًا عن تصاعد مخاوف الأجهزة الأمنية في كيان الاحتلال من سياسات الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، واصفة إياه بـ”العدو المتشدد” الذي يقود “اتجاهًا مقلقًا” ضد أمن “إسرائيل”.
هذا التوصيف ليس مجرد تصريح عابر، بل يعكس حالة من الارتباك الإسرائيلي المتنامي إزاء التحول الجذري الذي تشهده الساحة السورية بعد الإطاحة بنظام الأسد، ويعكس أيضًا نزعة إسرائيلية قديمة في مهاجمة أي نظام أو زعيم عربي لا يرضخ لمعادلات الاحتلال وشروطه.
مصدر أمني إسرائيلي – لم تكشف الهيئة اسمه – وصف الشرع بأنه “إسلامي يرتدي ربطة عنق”، في محاولة لدمجه ضمن “معسكر الأعداء” رغم مظهره المدني، مضيفًا: “إنه ليس شريكًا للحوار، بل خصم يحاول بيع صورة مزيفة للغرب بينما يعمل في الخفاء لتقويض أمن إسرائيل”، على حد تعبيره.
هذا الخطاب يتقاطع مع سياسات الاحتلال التي لطالما وصمت أي حاكم عربي مستقل بالإرهاب والتشدد، في محاولة لنزع الشرعية عنه دوليًا وإحباط أي فرص لتواصل الغرب معه.

التحريض من البوابة الأمنية
الخطاب الإسرائيلي الأخير لا يقتصر على النوايا، بل يحمل تحريضًا مباشرًا ضد الرئيس الشرع وحكومته.
فالهيئة زعمت أن الشرع أفرج عن عناصر من حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” ممن اعتُقلوا إبان حكم الأسد، وأن بعضهم شارك لاحقًا في “نشاطات إرهابية ضد إسرائيل”، بحسب تعبيرها.
هذا الربط المقصود بين الحكومة الجديدة وفصائل المقاومة الفلسطينية ليس جديدًا في الدعاية الإسرائيلية، لكنه يهدف حاليًا إلى شيطنة النظام الانتقالي السوري دوليًا، واتهامه بدعم ما تسميه إسرائيل “الإرهاب”.
كما زعمت التقارير أن إيران تحاول الحفاظ على نفوذها في سوريا بعد سقوط الأسد عبر دعم خلايا المقاومة الفلسطينية، متناسية أن إسرائيل نفسها هي من يسهم في تعقيد المشهد السوري عبر غارات يومية، وقتل المدنيين، وضرب الاستقرار.
وفي هذا السياق، تأتي تصريحات وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي قال إن الشرع “كشف عن وجهه الحقيقي”، لتمثل دعامة سياسية في حملة التحريض العسكري والدعائي الممنهج ضد دمشق الجديدة.
هذه التصريحات تكشف عن رغبة إسرائيلية صريحة في خلق ذريعة أمنية تبرر مواصلة الاعتداءات داخل الأراضي السورية، كما تفتح الباب أمام تدخلات مستقبلية في الشأن الداخلي السوري بذريعة “الدفاع عن النفس”، رغم أن الحكومة السورية لم توجه حتى اللحظة أي تهديد مباشر تجاه الاحتلال.
أهداف الحملة: تقويض المرحلة الانتقالية
منذ 8 ديسمبر 2024، ومع دخول فصائل المعارضة السورية إلى دمشق وإعلان نهاية حكم عائلة الأسد، تسير سوريا في مرحلة انتقالية وصفت بأنها الأكثر جرأة وتحررًا منذ عقود.
الشرع، قائد “قوات التحرير”، تم تعيينه رئيسًا للمرحلة الانتقالية، معلنًا سلسلة قرارات ثورية من بينها حل حزب البعث، وإلغاء دستور النظام البائد، وتفكيك برلمانه.
هذه التحولات لم ترق للاحتلال الإسرائيلي، الذي استغل الانشغال السوري الداخلي لإحكام قبضته على هضبة الجولان، وإعلان عملي لانهيار اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.
وفي هذا السياق، يبدو أن الهجوم الإسرائيلي الإعلامي والسياسي يهدف إلى أمرين رئيسيين: أولاً، ضرب صورة الرئيس الشرع والنظام الجديد على المستوى الدولي، ووصمه بالإرهاب والتطرف.
ثانيًا، خلق بيئة توتر إقليمي تبرر الغارات الإسرائيلية المتواصلة، بل وقد تفتح الباب لتدخلات أوسع بذريعة الأمن.
ومن الملاحظ أن إسرائيل تسعى لإجهاض التجربة السورية الجديدة في مهدها، عبر العزف على أوتار الفوضى، وزرع الشكوك، وتضخيم أي روابط محتملة بين النظام الجديد وفصائل المقاومة.
كما تسعى لإقناع المجتمع الدولي، خاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بعدم دعم أو الاعتراف بالحكومة الانتقالية، تمهيدًا لعزلها سياسيًا وفتح المجال أمام الفوضى مجددًا.
معركة الوعي قبل معركة السلاح
ما يجري حاليًا من تحريض إسرائيلي ضد الرئيس السوري الجديد لا يمكن فصله عن المسار الأشمل للمرحلة الانتقالية في سوريا، والذي تسعى إسرائيل ومعها بعض القوى الإقليمية والدولية لإفشاله. الشرع يمثل – بالنسبة للاحتلال – نموذجًا مختلفًا عن النظام السابق: أكثر استقلالية، وأكثر انفتاحًا على قوى المقاومة، وأقل خضوعًا للمساومات الدولية.
لذلك، فإن الحرب التي يشنها الاحتلال اليوم ليست عسكرية فقط، بل إعلامية ونفسية أيضًا، تستهدف وعي الشعب السوري أولًا، والرأي العام العالمي ثانيًا، من أجل تشويه صورة الحكومة الجديدة وحرمانها من أي دعم خارجي أو داخلي.
لكن نجاح أو فشل هذه الحملة سيعتمد في النهاية على وعي السوريين، وقدرة القيادة الجديدة على تجنب الاستفزازات، والمضي بثقة في طريق الاستقلال الوطني، وإعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية حقيقية.
اقرأ أيضًا : نتنياهو يعين قائداً سابقاً للبحرية رئيساً لـ”الشاباك”.. خطوة مثيرة للجدل وسط أزمة أمنية داخلية