في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والأمنية داخل كيان الاحتلال، أعلن مكتب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، عن تعيين قائد سلاح البحرية السابق، إيلي شارفيت، رئيساً جديداً لجهاز الأمن العام “الشاباك”، خلفاً للمقال رونين بار، في ظل انتقادات حادة وتوترات من التأثير على كفاءة الجهاز في مرحلة هي الأخطر أمنياً على الاحتلال الإسرائيلي منذ عقود.

 

 

نتنياهو يتحدى ويكابر

قرار تعيين شارفيت لم يمر مرور الكرام، خصوصاً أنه جاء في لحظة أمنية استثنائية يعيش فيها الاحتلال ارتباكاً داخلياً غير مسبوق بعد الضربات المتكررة التي تلقتها من فصائل المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة “حماس”، بالإضافة إلى تصاعد التوترات على جبهات أخرى، مثل الجبهة الشمالية مع “حزب الله”.

مكتب نتنياهو برر القرار بالقول إن شارفيت “خدم في الجيش لمدة 36 عاماً، منها خمس سنوات كقائد لسلاح البحرية، وأشرف خلالها على بناء قوة الردع في المياه الاقتصادية، كما أدار عمليات معقدة ضد حماس وحزب الله وإيران”. 

ولكن ما لم يذكره البيان هو أن شارفيت لا يملك أي خبرة في العمل الاستخباراتي المباشر، ولم يكن يوماً جزءاً من دوائر “الشاباك” أو الموساد، ما يثير تساؤلات جدية حول دوافع هذا التعيين وتوقيته.

من وجهة نظر تحليلية، يمكن النظر إلى هذه الخطوة كجزء من توجه نتنياهو نحو “عسكرة” المناصب الأمنية الحساسة، عبر تعيين ضباط جيش سابقين بدل الشخصيات الاستخباراتية ذات الخلفية المتخصصة، وهي ظاهرة بدأت بالتمدد في السنوات الأخيرة وتدل على أزمة ثقة بين القيادة السياسية والمؤسسات الاستخباراتية التقليدية.

انتقادات داخلية وتحذيرات من شلل استخباراتي

ردود الفعل داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لم تتأخر، إذ أعرب عدد من المسؤولين السابقين والحاليين في “الشاباك” عن قلقهم العميق إزاء هذا التعيين، مشيرين إلى أن إيلي شارفيت “لا يملك الخبرة اللازمة لفهم ديناميات العمل الاستخباري، خاصة في بيئة معقدة مثل البيئة الفلسطينية”.

مصدر أمني إسرائيلي قال في تصريحات لصحيفة “هآرتس” إن “منظومة الشاباك تتطلب فهماً عميقاً للشبكات الاستخباراتية والعمل السري والتحليل النفسي والتنظيمي للمجتمعات العربية، وهذه ليست ضمن خبرات شارفيت”. 

وأضاف: “هذا القرار قد يؤدي إلى حالة من الارتباك في الجهاز، وربما يدفع ضباطاً كباراً إلى الاستقالة أو التقاعد المبكر”.

كما أشار مراقبون إلى أن تعيين شخصية عسكرية غير استخباراتية قد يكون مؤشراً على سعي نتنياهو إلى التحكم بشكل أكبر في الأجهزة الأمنية، خاصة بعد أن اصطدم مع جهاز الشاباك خلال العدوان على غزة، حيث كشف رئيسه المقال، رونين بار، عن وجود شروخ داخلية عميقة في إسرائيل نتيجة الضربات التي تلقتها من المقاومة.

أبعاد سياسية ومعركة السيطرة على الأمن

توقيت إقالة رونين بار وتعيين شارفيت لا يمكن عزله عن المشهد السياسي المتأزم الذي يعيشه نتنياهو، خصوصاً بعد فشل المؤسسة الأمنية في التنبؤ والاستعداد لعملية “طوفان الأقصى” التي نفذتها المقاومة الفلسطينية في 7 أكتوبر، والتي اعتُبرت أكبر فشل استخباراتي في تاريخ الاحتلال.

منذ ذلك الحين، يسعى نتنياهو إلى “تصفية الحسابات” مع الأجهزة التي أحرجته، وفي مقدمتها الشاباك، إذ يتهم بار بأنه سمح بظهور معلومات انتقدت أداء الحكومة علناً، بل وتحدث عن “انقسامات داخلية تهدد الأمن القومي”، وهو ما اعتبره نتنياهو تجاوزاً للخطوط الحمراء.

وبتعيين شخصية “مدنية عسكرية” مثل شارفيت، يسعى نتنياهو فيما يبدو إلى فرض مزيد من الولاء السياسي داخل أجهزة الأمن، في ظل الحديث عن انتخابات مبكرة وضغوط شعبية متصاعدة تطالبه بالاستقالة. 

وقد يخشى نتنياهو من أن يلعب جهاز مثل “الشاباك” دوراً في كشف أو تسريب معلومات تضر بمستقبله السياسي، خاصة أن الجهاز يتابع عن كثب تحركات القوى المعارضة في الداخل.

يُذكر أن سلاح البحرية، الذي قاده شارفيت سابقاً، يُنظر إليه داخل الجيش الإسرائيلي كمؤسسة بعيدة نسبياً عن مركز القرار الأمني، وأقل انخراطاً في العمل الاستخباراتي المباشر. لذا فإن تعيين أحد قادته السابقين لرئاسة الشاباك يُعد سابقة مثيرة للجدل.

هل يتحول الشاباك إلى أداة سياسية؟

من الواضح أن تعيين إيلي شارفيت رئيساً للشاباك لا ينفصل عن استراتيجية نتنياهو الهادفة إلى إعادة تشكيل النظام الأمني في إسرائيل بما يتوافق مع مصالحه السياسية والشخصية. 

وبينما كان من المفترض أن يُدار “الشاباك” بواسطة شخصية ذات خبرة استخباراتية عميقة وتفكير استراتيجي في مواجهة التحديات المتعددة، يبدو أن المعايير قد تغيرت لصالح حسابات الولاء والهيمنة.

ومع استمرار الانهيار الأمني وتراجع هيبة المؤسسات الأمنية والعسكرية أمام ضربات المقاومة، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع شارفيت، بخلفيته البحرية، إنقاذ جهاز يواجه أخطر اختباراته منذ تأسيسه، أم سيكون مجرد واجهة جديدة في صراع سياسي أكبر من قدراته؟

اقرأ أيضًا :مجزرة تل السلطان: الاحتلال يستهدف الإنسانية ويحوّل الحرب في غزة إلى حرب دينية