في تحول غير مسبوق في الموقف الدولي، بدأت القوى الغربية، التي طالما وفرت غطاءً سياسياً ودبلوماسياً لجرائم الاحتلال الإسرائيلي، في سحب دعمها التدريجي بل والمعلن لحكومة بنيامين نتنياهو، التي تقود حرباً شرسة ومستمرة على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر الماضي. 

ومع مرور الوقت، لم تعد المواقف الغربية تقتصر على الانتقادات الدبلوماسية الناعمة، بل تطورت إلى تصريحات حادة، وتهديدات حقيقية، وقرارات ملموسة من شأنها أن تُنذر بانهيار تحالف استراتيجي دام لعقود.

هذه المتغيرات الدولية، والتي وصفها محللون بـ”تسونامي دبلوماسي”، لم تأتِ من فراغ، بل جاءت نتيجة للتصعيد الإسرائيلي المنهجي الذي استهدف كل قواعد القانون الدولي، بداية من منع المساعدات الإنسانية، مروراً بالقصف العشوائي على مناطق مدنية ومخيمات نازحين، وانتهاء بمحاولة تنفيذ مخطط تطهير عرقي وتهجير جماعي للفلسطينيين من القطاع.

ورغم أن إسرائيل لطالما اعتمدت على دعم دول مثل فرنسا وبريطانيا وكندا والولايات المتحدة لتبرير أو تمرير عدوانها، فإن هذه الورقة اليوم بدأت تفقد صلاحيتها، بعد أن تحولت صدمة هجمات 7 أكتوبر إلى ما يشبه الرخصة المفتوحة لارتكاب المجازر الجماعية بحق شعب محاصر منذ سنوات. لكن صبر الدول الغربية بدأ ينفد.

 

من الدعم الأعمى إلى الإدانة العلنية

في 19 مايو، صدر بيان مشترك صادم من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ونظيره الكندي مارك كارني، حذر فيه القادة الثلاثة حكومة نتنياهو من أن استمرار العمليات العسكرية ومنع المساعدات الإنسانية سيؤدي إلى اتخاذ “إجراءات ملموسة”. وهي لهجة نادراً ما تستخدم ضد إسرائيل.

وقد سبق هذا البيان تحركات ملموسة بالفعل، أبرزها إعلان بريطانيا تعليق مفاوضاتها التجارية مع الاحتلال، وفرض عقوبات جديدة على مستوطنين تورطوا في اعتداءات عنيفة ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية.

كما تستعد فرنسا لعقد مؤتمر دولي مشترك مع السعودية في الشهر القادم بهدف دفع عملية “حل الدولتين”، ومن المتوقع أن تعلن اعترافها الرسمي بدولة فلسطين، بعد أن سبقتها دول مثل إسبانيا، وأيرلندا، والنرويج.

بل وصل الأمر إلى وصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز “إسرائيل” بأنها “دولة إبادة جماعية”، ودعوته إلى منعها من المشاركة في مسابقة الأغنية الأوروبية، وهي إدانة سياسية وثقافية في آن واحد، تعكس تحولا عميقاً في المزاج السياسي الأوروبي.

ردود إسرائيل.. هستيريا سياسية تفضح عزلة متفاقمة

في مواجهة هذا السيل من الإدانات والقرارات، لم تجد حكومة نتنياهو سوى السقوط في فخ الخطاب الشعبوي المتشنج، إذ اتهم نتنياهو قادة فرنسا وكندا وبريطانيا بأنهم “ينفذون أوامر حماس”، واصفاً إياهم بأنهم “في الجانب الخطأ من الإنسانية والتاريخ”، كما لو أن المطالبة بوقف القصف ومنع تجويع الأطفال يعد خيانة للحضارة الغربية.

رد نتنياهو لم يكن موجهاً فقط لهؤلاء القادة، بل كان رسالة إلى قاعدته اليمينية المتطرفة في الداخل، يحاول فيها أن يصوّر نفسه كـ”الحامي الأخير لإسرائيل” في وجه “الخيانة الغربية”، لكنه في الحقيقة فضح حجم العزلة التي باتت تعيشها حكومته حتى بين الحلفاء.

ففي الوقت الذي كان فيه رئيس الوزراء يحشد الدعم لخطته بإعادة احتلال غزة وتسويتها بالأرض، انشغلت حكومته في الدفاع عن نفسها أمام مؤسسات دولية تتهمها بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ومحاكم تطالب بتحقيقات في جرائم الحرب، وقنوات دبلوماسية تتحدث عن تقويض النظام العالمي من خلال تجاهل القانون الدولي الإنساني.

الانقسام داخل الولايات المتحدة

اللافت في هذا المشهد أن الولايات المتحدة – الداعم الأكبر لإسرائيل – لم تعد بدورها متماسكة كما كانت، فبينما حافظت إدارة بايدن على دعمها العسكري والسياسي، بدأ الجمهوريون وعلى رأسهم دونالد ترامب في انتقاد نتنياهو، ولو بشكل جزئي. 

فقد أشار ترامب ومستشاروه إلى ضرورة وقف الحرب والسماح بدخول المساعدات، ما يشير إلى وجود قناعة أميركية تتشكل تدريجياً بأن “إسرائيل” تخسر المعركة الإعلامية والدبلوماسية في العالم، وأن الاستمرار في دعمها قد يضر بالمصالح الأميركية نفسها.

ومع ذلك، فإن حكومة الاحتلال تحاول أن تلتقط هذه الإشارات كضوء أخضر لتنفيذ خططها القديمة – الجديدة، وعلى رأسها تهجير السكان الفلسطينيين من غزة وبناء ما تسميه “الريفييرا الجديدة”، وهي فكرة تتبناها أوساط يمينية متطرفة في إسرائيل منذ سنوات.

لكن حتى هذا التصور بات يواجه رفضاً دولياً، كما أن محاولة استغلال تصريحات ترامب السابق لم تعد تقنع العالم، في ظل استمرار صور القصف والمجازر وانهيار البنى التحتية الإنسانية في غزة.

انهيار الغطاء الأخلاقي

ما يثير الانتباه أكثر، هو أن الاحتلال خسر في هذه الحرب غطاءه الأخلاقي بالكامل. فمنذ نشأتها، كانت “إسرائيل” تقدم نفسها كدولة “ديمقراطية وسط غابة من الديكتاتوريات”، لكنها اليوم باتت تُقارَن بجنرالات الحرب، وبأنظمة الفصل العنصري، بل وتُتهم بأنها ترتكب إبادة جماعية وفق تقارير صادرة عن منظمات حقوقية دولية.

بل أن الاتهامات تجاوزت حدود البيانات، فقد بدأت محاكم في دول مثل بيرو وجنوب إفريقيا وبلجيكا تدرس قضايا رسمية ضد مسؤولين إسرائيليين بتهم تتعلق بجرائم الحرب. وفي أوروبا، تُطرح فكرة إعادة النظر في اتفاقيات الشراكة مع إسرائيل، وهي خطوة قد تكون بداية لعقوبات اقتصادية أوسع.

هذه العزلة المتصاعدة جاءت نتيجة إدراك متزايد لدى الرأي العام الغربي، بأن استمرار دعم الاحتلال بات عبئاً سياسياً وأخلاقياً لا يمكن احتماله، خصوصاً مع تصاعد الغضب الشعبي في الشوارع الأوروبية، والاحتجاجات اليومية التي تشهدها الجامعات والمؤسسات العامة.

هل تنقلب المعادلة؟

السؤال المطروح الآن: هل تمثل هذه التحولات بداية النهاية للغطاء الدولي الذي حمى الاحتلال لعقود؟ الإجابة ليست سهلة، لكن الثابت أن ما بعد حرب غزة 2023-2024 لن يكون كما قبلها.

الاحتلال خسر في هذه الحرب صورته، ودوره كحليف موثوق، وفقدانه للدعم الأوروبي قد يمثل بداية لانهيار نظام دولي طالما سكت عن جرائمه.

التحولات الجارية تشير إلى أن المجتمع الدولي، أو على الأقل قطاعاً واسعاً منه، لم يعد قادراً على غض الطرف عن فاشية الاحتلال وسلوكياته الإجرامية. وإذا ما استمرت الجرائم، فإن مسار القطيعة السياسية والاقتصادية سيتسارع.

نتنياهو، الذي كان يُنظر إليه ذات يوم كأحد أبرز رجال الدولة في الغرب، بات الآن عبئاً سياسياً يهرب منه الحلفاء ويتنصل منه القادة، تماماً كما حدث مع الأنظمة العنصرية والفاشية عبر التاريخ.

وبينما يتشبث الاحتلال بسردية “محاربة الإرهاب”، تكشف الوقائع اليومية أن ما يجري هو محاولة فاشلة لكسر إرادة شعب لا يزال يصمد رغم القصف والتجويع والحصار.

إن التاريخ يُكتب الآن في غزة، لا في واشنطن ولا في تل أبيب، والدول التي كانت يوماً شاهدة على الجرائم بصمت، بدأت تنطق، وربما تتحرك. فهل ستكون هذه بداية العدّ العكسي لنهاية الاحتلال؟ أم أن العالم سينسى مجدداً كما فعل مراراً؟ الأيام القادمة ستحمل الجواب، لكن المؤكد أن “إسرائيل” باتت اليوم أكثر عزلةً من أي وقت مضى.

اقرأ أيضًا : لوبيات إماراتية وراء الاتهامات الأميركية.. الخرطوم تنفي استخدام الأسلحة الكيميائية وتصفها بالابتزاز السياسي