في تصعيد جديد بين الخرطوم وواشنطن، نفت الحكومة السودانية، أمس الجمعة، بشكل قاطع الاتهامات الأميركية بشأن استخدام الجيش السوداني لأسلحة كيميائية في صراعه مع قوات الدعم السريع، واصفة الاتهامات بأنها “ابتزاز سياسي” و”تزييف متعمد للحقائق”.

وتأتي هذه التصريحات عقب إعلان الولايات المتحدة فرض عقوبات جديدة على السودان، تشمل تقييد إمكانية حصوله على القروض الأميركية وفرض قيود على تصدير السلع إليه. 

غير أن الأوساط السياسية السودانية ترى في هذا التصعيد امتداداً لتأثير لوبيات إماراتية داخل دوائر صنع القرار الأميركي، هدفها الأساسي تقليب الرأي العام الدولي ضد الحكومة السودانية وتعزيز موقف قوات الدعم السريع التي تحظى بدعم أبوظبي.

محور أول: الخرطوم ترفض الاتهامات وتطالب بأدلة

وزير الإعلام السوداني والمتحدث الرسمي باسم الحكومة، خالد الإعيسر، لم يتردد في مهاجمة البيان الأميركي الأخير، واصفًا إياه بـ”القرار غير المسؤول والمبني على معلومات كاذبة”.

وأضاف في بيان رسمي أن “الحديث عن استخدام أسلحة كيميائية هو محض تلفيق لا يستند إلى أي أدلة ميدانية أو تقارير محايدة”، مشيرًا إلى أن بلاده “تواجه حملة سياسية من أطراف دولية تتقاطع مصالحها مع ميليشيات الدعم السريع”.

من جانبها، أعربت وزارة الخارجية السودانية عن “دهشتها من الطريقة التي تتعامل بها الإدارة الأميركية مع السودان”، مشيرة إلى غياب الشفافية والتشاور في اتخاذ مثل هذه القرارات، معتبرة أن واشنطن “تتبنّى موقفًا منحازًا لطرف محدد في النزاع الدائر”، في إشارة إلى الدعم السياسي غير المعلن الذي تحظى به قوات الدعم السريع من بعض العواصم الإقليمية، وعلى رأسها الإمارات.

محور ثان: الإمارات واللوبي الضاغط في واشنطن

وفقًا لمصادر مطلعة في الخرطوم، فإن ما يحدث من تضييق أميركي على الحكومة السودانية لا يمكن فصله عن تحركات إماراتية ممنهجة داخل مراكز النفوذ الأميركية.

وتؤكد هذه المصادر أن أبوظبي كثفت نشاطها الدبلوماسي والإعلامي منذ منتصف العام الماضي لدعم قوات الدعم السريع عبر شركات علاقات عامة ولوبيات ضغط تعمل على تلميع صورة “حميدتي” وتقديمه باعتباره “شريكًا مستقبليًا موثوقًا” في المنطقة.

وذكرت تقارير صحفية غربية أن الإمارات موّلت في الشهور الأخيرة عدة حملات داخل مراكز أبحاث أميركية لتوجيه الخطاب نحو تحميل الجيش السوداني مسؤولية التصعيد، والدفع نحو عزله دوليًا. 

كما أن بعض الشخصيات المرتبطة بدوائر صناعة القرار في واشنطن، المعروفة بعلاقاتها الوثيقة بالإمارات، كانت وراء إثارة موضوع الأسلحة الكيميائية دون وجود تقارير دولية محايدة تثبت صحة هذه المزاعم.

وتسعى الإمارات، بحسب مراقبين، إلى تثبيت نفوذها في السودان من خلال حليفها “حميدتي”، الذي يحتفظ بعلاقات تجارية وأمنية وثيقة مع أبوظبي، لا سيما في ملف تصدير الذهب السوداني وشحنات الدعم العسكري.

وبالتالي فإن إضعاف الجيش السوداني يفتح الباب واسعًا أمام قوات الدعم السريع للتمدد والسيطرة، وهو ما يفسر الضغوط المتزايدة التي تمارسها واشنطن مؤخرًا.

محور ثالث: انعكاسات العقوبات وتصاعد الأزمة الإنسانية

يأتي النفي السوداني الحاسم في وقت تتزايد فيه حدة الأزمة الإنسانية في البلاد. فالحرب التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع خلّفت عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، ودفعت أكثر من 13 مليون شخص إلى النزوح داخل السودان وخارجه، ما جعل الأمم المتحدة تصف الوضع بأنه “أسوأ أزمة إنسانية في العالم خلال القرن الحالي”.

ومع هذا الواقع الكارثي، تبدو العقوبات الأميركية الجديدة بمثابة إضافة للمعاناة، خاصة أن القيود المفروضة على خطوط القروض والصادرات قد تؤدي إلى تفاقم الانهيار الاقتصادي في بلد يواجه بالفعل انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي وانهيارًا شبه تام في البنية التحتية الصحية.

ويرى مراقبون أن توقيت فرض العقوبات يطرح علامات استفهام، خصوصًا أنه يتزامن مع التقدم العسكري الذي أحرزه الجيش مؤخرًا في بعض الجبهات، مما يعزز فرضية أن هذه الضغوط تأتي في إطار توازن الكفة لصالح الدعم السريع، لا سيما بعد خسارته لبعض المواقع الاستراتيجية في دارفور وشمال الخرطوم.

خاتمة: هل تتحول الحرب إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية؟

في ضوء التطورات الأخيرة، يبدو أن الأزمة السودانية بدأت تخرج عن نطاقها المحلي، لتتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين أطراف إقليمية ودولية تتصارع على النفوذ في منطقة القرن الأفريقي.

ومع غياب موقف دولي موحد، واستمرار الانحيازات الغربية لطرف دون آخر، تتفاقم معاناة الشعب السوداني الذي يدفع الثمن الأكبر من دمه واستقراره ومستقبله.

ويبقى السؤال المطروح: هل ستعيد واشنطن النظر في موقفها من السودان في حال توافرت معلومات محايدة، أم أن تأثير المال الإماراتي داخل المؤسسات الأميركية سيبقى سيد الموقف، حتى لو تطلب ذلك سحق الحقيقة على مذبح المصالح؟

اقرأ أيضًا : مقابر الموت في أم درمان.. جرائم حرب لدعم إماراتي يسعى لتقسيم السودان