في مشهد يكشف عن عمق القمع الإسرائيلي وتناقضاته، أقدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، الأربعاء، على ترحيل 32 ناشطًا أجنبيًا شاركوا في فعالية تضامنية مع المزارعين الفلسطينيين خلال موسم قطف الزيتون في الضفة الغربية المحتلة، بزعم “مخالفة أوامر عسكرية” والانتماء إلى منظمة فلسطينية تصنفها تل أبيب “إرهابية”.

ويأتي هذا القرار في وقت تتزايد فيه اعتداءات المستوطنين على الأراضي الفلسطينية، وتتصاعد حملات التضامن الدولي مع المزارعين الذين يواجهون وحدهم عنف الاحتلال وجرافاته في ذروة موسم الزيتون، أحد الرموز الوطنية للمقاومة الفلسطينية.

الترحيل بذريعة “السيادة”.. عقاب جماعي لكل من يتضامن

وزعم نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي، ياريف ليفين، أن القرار جاء “حفاظًا على السيادة” و”منعًا لدعم الإرهاب”، مشيرًا إلى أنه اتُخذ بالتنسيق مع وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، بعد شكوى من رئيس مجلس مستوطنات شمال الضفة الغربية يوسي دغان، الذي وصف الناشطين بأنهم “فوضويون نفذوا استفزازات”.

وبحسب بيان الحكومة الإسرائيلية، فإن الواقعة حدثت قرب نابلس الأسبوع الماضي، حين نظّم ناشطون أجانب مظاهرة سلمية تضامنية مع الفلسطينيين الذين يتعرضون لاعتداءات متكررة من المستوطنين أثناء قطف الزيتون، في منطقة خاضعة لأوامر عسكرية تمنع أي وجود مدني إلا للمزارعين.

لكن جوهر الحدث يتجاوز الاتهامات الشكلية. فإسرائيل، التي تمنح المستوطنين حرية الاعتداء على الفلسطينيين بحماية جيشها، تعاقب اليوم شهود العيان الذين يفضحون تلك الجرائم، وتحاول إبعادهم لمنع أي توثيق مستقل للعنف الاستيطاني المتصاعد.

ناشطون شهود على الجرائم لا “مخالفون للقانون”

من بين المُرحّلين، الشاب البريطاني رودي شكولدين الذي قال لوكالة الصحافة الفرنسية إنه جاء إلى الضفة “ليمد يد العون للمزارعين الفلسطينيين الذين يتعرضون لهجمات منظمة أثناء موسم الزيتون”. وأوضح أنه شاهد بنفسه اعتداءات المستوطنين بحماية الجيش، وأنه لم يشارك في أي عمل سياسي بل في “تجربة إنسانية بسيطة”.

وتداولت وسائل إعلام إسرائيلية صورًا لاعتقال الناشطين أثناء قطفهم الزيتون مع الأهالي، مشيرة إلى أنهم كانوا يوثقون تلك الاعتداءات بالكاميرات. وبذلك، يصبح التضامن نفسه “جريمة” في نظر الاحتلال، الذي يسعى لطمس الأدلة ومصادرة الروايات التي تفضح منظومة القهر اليومية المفروضة على الفلسطينيين.

اتحاد لجان العمل الزراعي.. مؤسسة مقاومة تُصنفها إسرائيل “إرهابية”

الناشطون المشاركون في الفعالية كانوا يعملون إلى جانب اتحاد لجان العمل الزراعي، وهي مؤسسة فلسطينية غير حكومية مسجلة رسميًا في وزارة الداخلية الفلسطينية، وتُعد من أبرز مؤسسات التنمية الزراعية منذ تأسيسها عام 1986.

وقد صنفتها إسرائيل ضمن “المنظمات الإرهابية” في 2021، ضمن حملة استهدفت ست مؤسسات مجتمع مدني فلسطينية، بينها مؤسسات حقوقية تعمل مع الأمم المتحدة والمحاكم الدولية. هذا التصنيف –الذي رفضته منظمات حقوقية أوروبية وأممية– يهدف، وفق مراقبين، إلى تجفيف منابع الدعم الدولي للقطاع الأهلي الفلسطيني، وإلى ملاحقة كل من يشارك في تعزيز صمود المزارعين.

رد فلسطيني: الاحتلال يريد تجويف الأرض وعزل الفلاحين

أدانت وزارة الخارجية الفلسطينية اعتقال وترحيل الناشطين، معتبرة أن “ما جرى انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، واستمرار لسياسة الاحتلال في منع أي رقابة على جرائمه بحق الفلسطينيين”. وأكدت الوزارة أن هؤلاء النشطاء “لم يفعلوا سوى توثيق الاعتداءات اليومية التي يتعرض لها الفلاحون من المستوطنين”.

وأضافت أن الاحتلال “يعمل على تفريغ الأرض من أهلها، ومن كل شاهد على جرائمه”، مشيرة إلى أن “المزارعين الفلسطينيين لا يستطيعون الوصول إلى أراضيهم إلا بمرافقة المتضامنين الأجانب الذين يشكل وجودهم رادعًا نسبيًا للمستوطنين”.

الزيتون.. شجرة الحياة في مواجهة الموت الاستيطاني

يمثل موسم الزيتون في فلسطين أكثر من مجرد نشاط زراعي؛ إنه فعل مقاومة متجذر في الأرض والهوية. إلا أن هذا الموسم تحوّل في السنوات الأخيرة إلى معركة يومية مع المستوطنين، الذين يعمدون إلى اقتلاع الأشجار وحرقها وسرقة المحاصيل في ظل صمت الجيش.

ووفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، نفّذ المستوطنون 7154 اعتداءً ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية خلال العامين الأخيرين فقط، تزامنًا مع حرب الإبادة في غزة، ما أدى إلى استشهاد 33 مواطنًا وتهجير 33 تجمعًا بدويًا، إلى جانب إقامة 114 بؤرة استيطانية جديدة.

هذه الأرقام تكشف أن الاحتلال لا يحارب الأفراد فقط، بل يشن حربًا ممنهجة على الوجود الفلسطيني نفسه، عبر استهداف الزراعة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الريفي، في محاولة لاقتلاع الفلسطيني من أرضه واقتلاع رمزه التاريخي: الزيتون.

خاتمة – جريمة جديدة ضد الشهود والإنسانية

ترحيل النشطاء الأجانب لا يعبّر فقط عن انزعاج الاحتلال من التضامن الدولي، بل عن خوفه من الكاميرات أكثر من الحجارة، ومن الحقيقة أكثر من الاحتجاج. فالسلطات التي تقتل المزارع وتحرق شجرته وتلاحق المتضامن معه، تثبت أن جريمتها لم تعد ضد الفلسطينيين وحدهم، بل ضد فكرة العدالة ذاتها.

إنها رسالة إسرائيلية إلى العالم: “من يرى الحقيقة سيُرحّل، ومن يصمت سيبقى”. لكن تلك الرسالة لن تحجب أن الاحتلال يرتكب جريمة جديدة كلما مدّ أحد يده لقطف زيتونة فلسطينية، أو رفع كاميرته ليوثق ما يفعله جنوده في أرضٍ تُقاوم بالحجر والزيتون والكلمة الحرة.

اقرأ أيضًا : “مؤسسة هند رجب تطالب باعتقال قتلة الطفلة هند.. وثائق جديدة تكشف مسؤولية 24 ضابطًا إسرائيليًا”