في تطور حقوقي جديد يسلط الضوء على واحدة من أبشع جرائم الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، أعلنت “مؤسسة هند رجب” اليوم الثلاثاء أنها قدمت رسميًا إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي ملفًا من 120 صفحة يطالب بإصدار أوامر اعتقال بحق 24 جنديًا وقائدًا في جيش الاحتلال، ضالعين في جريمة قتل الطفلة الفلسطينية هند رجب، التي هزت ضمير العالم مطلع عام 2024.

وأوضحت المؤسسة أن الملف أُعد بموجب المادة 15 من نظام روما الأساسي، ويتضمن أدلة موثقة وشهادات وصورًا وتحقيقات صحفية – من بينها ما بثته قناة الجزيرة مؤخرًا – تُثبت تورط وحدات إسرائيلية محددة، بينها ما تُعرف باسم “سرية إمبراطورية مصاصي الدماء” و**”الكتيبة المدرعة 52″** و**”اللواء المدرع 401″**، وهي وحدات تابعة للجيش الإسرائيلي اشتهرت بعملياتها العنيفة ضد المدنيين خلال حرب غزة.

وأضافت المؤسسة، التي تتخذ من بروكسل مقرًا لها، أن الهدف من الخطوة هو ملاحقة المسؤولين العسكريين الإسرائيليين قانونيًا أمام القضاء الدولي، بعد فشل إسرائيل في محاسبة المتورطين داخليًا، بل ومنح بعضهم ترقيات عسكرية لاحقة، في مشهد وصفته المؤسسة بأنه “إهانة مضاعفة لضحايا الحرب”. 

جريمة موثقة بالصوت والصورة

قصة الطفلة هند رجب (5 سنوات) تحولت إلى رمز للمأساة الإنسانية في غزة. ففي 29 يناير/كانون الثاني 2024، وبينما كانت هند تختبئ مع ستة من أفراد عائلتها داخل سيارة بعد أن دمرت قوات الاحتلال منزلهم في حي تل الهوى جنوب غربي مدينة غزة، تعرضت السيارة لقصف مباشر من دبابة إسرائيلية.

أدى الهجوم إلى استشهاد العائلة بأكملها، ولم تنجُ سوى هند التي ظلت تصرخ لساعات عبر الهاتف مع طاقم جمعية الصليب الأحمر الفلسطيني طالبة النجدة، قائلة: “الكل مات.. تعالوا خذوني”. غير أن الجيش الإسرائيلي استهدف المسعفين اللذين تحركا لإنقاذها، فقُتلا أيضًا، في جريمة مضاعفة تنتهك كل القوانين الإنسانية والدولية.

وأكد تحقيق برنامج “ما خفي أعظم” الذي بثته قناة الجزيرة مساء الاثنين الماضي أن الجنود الإسرائيليين المسؤولين عن العملية كانوا على دراية تامة بوجود مدنيين داخل السيارة، وأن الضربات نُفذت بعد أوامر مباشرة من قيادات ميدانية.

وكشف التحقيق عن أسماء بارزة من المتورطين، من بينهم بني أهارون قائد اللواء المدرع 401، ودانيال إيلا قائد الكتيبة 52، بالإضافة إلى عدد من الضباط من وحدة “إمبراطورية مصاصي الدماء” سيئة الصيت.

المؤسسة الحقوقية: العدالة لهند بداية المسار

تأسست “مؤسسة هند رجب” في فبراير/شباط 2024، بعد شهر واحد فقط من مقتل الطفلة، بمبادرة من مجموعة محامين وحقوقيين فلسطينيين وأوروبيين، وجعلت من ملاحقة مرتكبي الجرائم الإسرائيلية ضد الأطفال والمدنيين هدفها المركزي.

وخلال الأشهر الماضية، تحركت المؤسسة على أكثر من جبهة قانونية:

  • قدمت شكاوى أمام المحاكم الأوروبية ضد مسؤولين إسرائيليين ممن يحملون جنسيات مزدوجة.

  • جمعت أدلة ميدانية بالتعاون مع منظمات دولية كـ”العفو الدولية” و”هيومن رايتس ووتش”.

  • كما طالبت بفتح تحقيق دولي في استخدام الأسلحة المحظورة دوليًا في غزة، خصوصًا الفوسفور الأبيض، الذي تسبب في مقتل مئات المدنيين.

وقالت المؤسسة في بيانها الأخير إن ملف هند رجب يمثل “نموذجًا صارخًا لتعمّد الجيش الإسرائيلي استهداف المدنيين”، مشيرة إلى أن ما حدث “ليس حادثًا معزولًا بل جزء من سياسة ممنهجة لقتل الأطفال الفلسطينيين وإرهاب المجتمع المدني”.

وطالبت المؤسسة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان بإصدار مذكرات توقيف دولية عاجلة ضد المتورطين، مؤكدة أن الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن العدالة الدولية يجب أن تثبت مصداقيتها أمام الرأي العام العالمي.

جرائم الاحتلال.. سياسة ممنهجة بلا محاسبة

حادثة مقتل هند رجب لم تكن الأولى من نوعها، إذ تشير الإحصاءات الصادرة عن منظمات إنسانية إلى أن عدد الأطفال الفلسطينيين الذين قتلوا خلال حرب غزة تجاوز 15 ألف طفل، معظمهم قضوا في منازلهم أو خلال محاولات النزوح.

ويرى محللون أن هذه الجرائم تُظهر بوضوح فشل المجتمع الدولي في حماية المدنيين، خصوصًا في ظل الفيتو الأميركي المتكرر الذي حال دون إحالة الملف الفلسطيني إلى المحكمة الجنائية الدولية لسنوات طويلة.

ويرى خبراء قانونيون أن تحرك مؤسسة هند رجب يمثل سابقة قانونية مهمة، لأنها اعتمدت على تحقيق صحفي موثّق بالأسماء والصور والمراسلات العسكرية، وهو ما يُعدّ “أدلة ذات طابع مباشر” يمكن أن تدفع المحكمة لفتح تحقيق رسمي.

ويضيف الخبراء أن “المادة 15” التي استخدمتها المؤسسة تتيح للمدعي العام مباشرة تحقيق أولي حتى دون إحالة من مجلس الأمن، ما قد يشكل منعطفًا قضائيًا في ملف العدالة الدولية لفلسطين.

خاتمة: هند رجب.. الطفلة التي أيقظت ضمير العالم

تبدو قضية هند رجب اليوم أكثر من مجرد حادثة مأساوية؛ فهي شهادة دامغة على وحشية الاحتلال، وجرس إنذار للمجتمع الدولي بأن الإفلات من العقاب يغذي تكرار الجريمة.

ومع تصاعد الأصوات المطالبة بالعدالة، تتحول “مؤسسة هند رجب” إلى رمز لمقاومة النسيان، وإلى منصة دولية تسعى لأن يكون اسم الطفلة عنوانًا لكل دعوى ضد القتلة الذين ظنوا أن قصف سيارة سينهي القصة.

لكن القصة لم تنتهِ.

هند رجب، التي صرخت للعالم من تحت الركام، تعود اليوم بصوت أقوى من لاهاي، لتطالب بالعدالة — لا لنفسها فقط، بل لكل أطفال غزة الذين قُتلوا دون ذنب.

اقرأ أيضًا : تلاعب الاحتلال في الهدنة: إسرائيل تواصل خروقاتها في غزة