في تطور قضائي جديد يسلّط الضوء على عزلة الاحتلال الإسرائيلي المتزايدة في المحافل الدولية، أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن البرازيل انضمت رسميًا إلى الدعوى المرفوعة ضد “إسرائيل” من قبل جنوب إفريقيا، والتي تتهمها بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة.

ورغم أن هذا التحرك يأتي من دول بعيدة عن العالم العربي، فإن الموقف العربي الرسمي ما زال يتسم بالصمت والتقاعس، ما يعكس حجم الانقسام وغياب الإرادة السياسية لمواجهة الاحتلال في الساحات الدولية.

خلفية الدعوى الجنوب إفريقية

بدأت فصول هذه القضية أواخر عام 2023، عندما تقدمت جنوب إفريقيا بدعوى أمام محكمة العدل الدولية، استنادًا إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، متهمة جيش الاحتلال الإسرائيلي بارتكاب جرائم إبادة ضد الشعب الفلسطيني، عبر قصف متعمد للمدنيين، والتجويع الممنهج، والتدمير واسع النطاق للبنية التحتية في قطاع غزة.

وبالفعل، أصدرت المحكمة في كانون الثاني/يناير 2024 أوامر مؤقتة طالبت فيها الاحتلال باتخاذ إجراءات عاجلة لحماية الفلسطينيين من الإبادة، في قرار وُصف حينها بـ”التاريخي”. إلا أن إسرائيل تجاهلت تلك الأوامر، وواصلت حربها الوحشية بدعم أمريكي مفتوح، سواء عبر الإمدادات العسكرية أو عبر تعطيل محاولات مجلس الأمن لفرض وقف لإطلاق النار.

البرازيل تمارس حق التدخل

في بيانها، أوضحت محكمة العدل الدولية أن البرازيل قدمت طلبًا للانضمام في 17 أيلول/سبتمبر الجاري، استنادًا إلى المادة 63 من النظام الأساسي للمحكمة، والتي تمنح الدول الموقعة على اتفاقية ما الحق في التدخل بقضية معروضة أمام المحكمة إذا كان تفسير تلك الاتفاقية على المحك.

واعتبرت البرازيل أن وضعها كطرف في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية يلزمها قانونيًا وأخلاقيًا بالمشاركة في الدعوى، خصوصًا في ظل تصاعد الأدلة على ارتكاب الاحتلال جرائم ممنهجة تهدف إلى القضاء على الشعب الفلسطيني في غزة.

موجة انضمامات دولية.. من يقودها؟

لم تكن البرازيل وحدها في هذا المسار؛ إذ سبقتها إسبانيا وتركيا وكولومبيا بطلبات مشابهة للانضمام إلى الدعوى. هذه الدول، رغم تنوعها الجغرافي والسياسي، تشترك في رؤية متنامية ترى أن صمت المجتمع الدولي أمام جرائم الاحتلال يمثل تقويضًا للنظام القانوني العالمي بأكمله.

المثير أن غالبية هذه التحركات تأتي من دول غير عربية، بينما بقيت الأنظمة العربية ـ التي يفترض أنها الأقرب إلى فلسطين جغرافيًا وتاريخيًا ـ في موقع المتفرج، بل إن بعضها يمضي في مسار التطبيع مع الاحتلال، متجاهلًا الدم الفلسطيني والعدالة الدولية. هذا التباين يطرح تساؤلات صعبة حول من يتبنى حق الفلسطينيين فعليًا: هل هي الدول البعيدة عن الصراع، أم جيرانهم الذين يرفعون شعارات الدعم بينما يتخلون عن أي خطوات ملموسة؟

أبعاد سياسية وقانونية

انضمام البرازيل ـ الدولة الأكبر في أميركا اللاتينية ـ إلى الدعوى، لا يمثل مجرد خطوة قانونية، بل يحمل أبعادًا سياسية ورسائل رمزية قوية. فهي تؤكد أن قضية فلسطين لم تعد حبيسة حدود الشرق الأوسط، بل تحولت إلى قضية إنسانية عالمية تتعلق بمدى التزام المجتمع الدولي بتطبيق القانون على الجميع، بغض النظر عن النفوذ والتحالفات.

كما أن مشاركة دول من قارات مختلفة في الدعوى، قد تعزز فرص إدانة الاحتلال دوليًا، وتفتح الباب أمام فرض عزلة أكبر عليه، وربما تضييق هامش المناورة على حلفائه الغربيين، خاصة الولايات المتحدة التي تواجه اتهامات متكررة بالتواطؤ عبر تعطيل القرارات الأممية.

العرب.. الغياب الفاضح

في المقابل، يظل الموقف العربي باهتًا ومترددًا. فلا جامعة الدول العربية تبنّت تحركًا جماعيًا لدعم القضية في محكمة العدل الدولية، ولا الدول العربية التي صوّتت مرارًا لصالح فلسطين في الأمم المتحدة أقدمت على خطوة مشابهة.

هذا الغياب يعكس ـ وفق مراقبين ـ أزمة أعمق، تتمثل في فقدان الإرادة السياسية العربية للوقوف في مواجهة الاحتلال عبر الأطر الدولية، رغم أن ذلك لا يتطلب مواجهة عسكرية، بل مجرد خطوات قانونية ودبلوماسية تملك الدول العربية كل الأدوات للقيام بها.

خاتمة: من يدافع عن الحق الفلسطيني؟

التحاق البرازيل بالدعوى ضد الاحتلال في محكمة العدل الدولية، خطوة تكشف عن تحول مهم في الرأي العام الدولي، وتؤكد أن معركة الفلسطينيين لم تعد معزولة، بل تحظى بتضامن عالمي يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية. لكن في الوقت نفسه، يضع هذا الموقف في مواجهة مباشرة مع تخاذل العرب الذين لم يستغلوا فرصتهم التاريخية لتوظيف المحاكم الدولية في خدمة القضية الفلسطينية.

بينما يواصل الاحتلال إراقة الدماء في غزة تحت حماية أمريكية، يبقى السؤال المؤلم: لماذا يهرع الآخرون للدفاع عن الفلسطينيين قانونيًا، بينما يقف العرب مكتوفي الأيدي؟

اقرأ أيضًا : برلين بين التاريخ والواقع.. ألمانيا مترددة أمام عقوبات أوروبا على إسرائيل