تتجه سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى ترحيل عدد من النشطاء الدوليين الذين كانوا على متن سفينة “حنظلة” خلال الساعات القليلة المقبلة، في خطوة تكشف عن سياسة ممنهجة لإسكات الأصوات المتضامنة مع الشعب الفلسطيني، وكبح أي محاولات لكسر الحصار الخانق على قطاع غزة.

ووفقًا لما كشفه “مركز عدالة” الحقوقي، فإن من بين المرحلين: أنطونيو مازيو (إيطاليا)، غبرائيل كاسالا (فرنسا)، وجيكوب بيرغر (الولايات المتحدة)، بينما لا تزال الإجراءات جارية بحق كل من آنجي ساهوكيه والدكتور فرانك رومانو (أمريكي-فرنسي)، بعد التحقيق معهم دون السماح لمحامي المركز بالوصول إليهم، في انتهاك صريح للحقوق القانونية الأساسية.

اللافت في هذا السياق، أن 12 ناشطًا آخر رفضوا التوقيع على قرار “الترحيل الطوعي”، وأعلنوا دخولهم في إضراب مفتوح عن الطعام منذ لحظة اعتقالهم، احتجاجًا على ما وصفوه بـ”الاحتجاز التعسفي وغير القانوني”، ما يشير إلى صلابة موقف هؤلاء المتضامنين وإيمانهم بعدالة قضيتهم، رغم القمع والعزلة. ومع ذلك، لا تزال الرواية الرسمية الإسرائيلية تتجاهل هذا الإضراب وتُحجب عن الإعلام أي تفاصيل بشأن الوضع الصحي للمضربين.

سفينة “حنظلة”.. شاهد جديد على القرصنة الإسرائيلية

يوم 20 يوليو، أبحرت سفينة “حنظلة” من ميناء غاليبولي الإيطالي باتجاه غزة، وعلى متنها 21 ناشطًا دوليًا من دول عدة، في خطوة رمزية وإنسانية تهدف إلى كسر الحصار البحري الذي تفرضه “إسرائيل” على القطاع منذ أكثر من 17 عامًا. وقبل أن تصل إلى سواحل القطاع، حاصرتها زوارق بحرية إسرائيلية، وقامت قوات الاحتلال باقتحامها في المياه الدولية، واقتادتها بالقوة إلى أحد الموانئ الإسرائيلية.

العملية لم تكن مجرد “اعتراض بحري”، بل جريمة قرصنة موصوفة وفق القانون الدولي، إذ تم اعتراض السفينة في المياه الدولية واعتقال من على متنها دون مبرر قانوني أو إذن من أي جهة دولية. وهي سياسة اعتاد عليها جيش الاحتلال في التعامل مع أي محاولة لكسر الحصار البحري، في تحدٍ سافر للقانون الدولي الإنساني، واستهتار بالمجتمع الدولي الذي يكتفي بإصدار بيانات “قلق” لا ترقى إلى مستوى الرد على هذه الاعتداءات.

وقد سبق هذه الحادثة اعتداءات مماثلة، أبرزها في يونيو الماضي، عندما استولى الاحتلال على سفينة “مادلين” التي كانت ضمن “أسطول الحرية”، واعتقل 12 ناشطًا كانوا يحاولون نقل مساعدات إنسانية إلى غزة، قبل أن يُرحّلوا قسرًا بعد إجبارهم على التوقيع بعدم العودة. كما هاجمت طائرات مسيرة إسرائيلية سفينة “الضمير” في مايو، ما تسبب في حريق وثقب بهيكلها، ضمن ما يمكن وصفه بسياسة “منع التضامن بالقوة”.

ترحيل النشطاء.. تجريم للعمل الإنساني

إسرائيل لم تعد تكتفي بحصار مليوني إنسان في غزة ومنع دخول المساعدات، بل أصبحت تُجرّم التضامن ذاته. فبدلًا من محاكمة الاحتلال على جريمة الحصار، يُزجّ بالنشطاء في السجون ويُرحّلون قسرًا وكأنهم مجرمون، بينما ذنبهم الوحيد أنهم رفعوا أصواتهم ضد الظلم، وحاولوا إيصال رسالة إنسانية إلى العالم.

الخطير في هذا المشهد، هو أن الاحتلال يكرّس سياسة “تكميم الأفواه الدولية”، ويضرب بعرض الحائط كافة المواثيق الدولية التي تكفل حرية التعبير والعمل الإنساني. فهؤلاء النشطاء لم يحملوا سلاحًا، ولم يهددوا أمن أحد، بل حملوا معهم رسالة إنسانية وضميرًا حيًا، قابلهم الاحتلال بالاعتقال والإهانة والترحيل.

كما أن احتجاز النشطاء دون تمكين محاميهم من زيارتهم، واحتجازهم في ظروف لم تُكشف للرأي العام، يشير إلى تواطؤ مؤسسات “الديمقراطية الإسرائيلية” في عملية القمع، وتآكل ما تبقى من “قناع العدالة” في دولة تزعم أنها “الوحيدة الديمقراطية” في الشرق الأوسط.

تقصير المجتمع الدولي.. تواطؤ أم عجز؟

ورغم هذه الاعتداءات المتكررة، لم يصدر عن المؤسسات الأممية أو الاتحاد الأوروبي سوى بيانات خجولة لا ترقى إلى مستوى الحدث. لم نرَ أي تحرك لمحاسبة إسرائيل على انتهاكها للمياه الدولية، ولا على اعتقالها لنشطاء يحملون جنسيات أوروبية وأمريكية، وهو ما يعكس تناقضًا فاضحًا في المواقف الغربية بين الخطاب الرسمي وواقع المواقف.

بل إن هذا الصمت يسمح لإسرائيل بالاستمرار في سياسة الترحيل والمنع والقرصنة دون محاسبة، مما يشجعها على ارتكاب مزيد من الانتهاكات. وهنا، يُطرح سؤال أخلاقي وسياسي خطير: هل أصبحت العدالة الدولية تُقاس بالجغرافيا؟ وهل إنسانية الفلسطيني لا تستحق التضامن؟

خاتمة: الحصار مستمر.. لكن الرسالة وصلت

ربما تفشل سفينة “حنظلة” في إيصال المساعدات إلى غزة هذه المرة، لكنها نجحت في إيصال رسالة قوية: العالم لم ينسَ غزة، وهناك من لا يزال يرفع صوته من أجل كسر الحصار.

وإذا كانت “إسرائيل” قادرة على احتجاز السفن والنشطاء، فإنها لن تستطيع احتجاز الحقيقة، ولا كتم الصوت العالمي المتزايد رفضًا لحصار قطاع يُذبح يوميًا أمام كاميرات العالم.

اقرأ أيضًا :  أسر سجناء الرأي بمصر تكسر حاجز الصمت وتدعو لإضراب رمزي أسبوعي