في خطوة وصفتها الصحافة العبرية بـ”التاريخية”، أقدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على سحب صلاحيات إدارة الحرم الإبراهيمي الشريف من بلدية الخليل الفلسطينية، ومنحها للمجلس الديني التابع لمستوطنة “كريات أربع” المقامة على أراضي المدينة، في خطوة تعد استكمالًا لسياسات التهويد المتواصلة بحق أقدس معالم مدينة الخليل وأكثرها رمزية.

الخطوة، التي وصفتها صحيفة “يسرائيل هيوم” بـ”البشرى الكبيرة للاستيطان”، تمثل تطورًا خطيرًا في فرض السيادة الدينية اليهودية على موقع إسلامي صرف، وتكشف عن تواطؤ ضمني وصمت متواصل من قبل جهات إقليمية ودولية، وعلى رأسها السلطة الفلسطينية والأردن، اللتين من المفترض أن تكون لهما ولاية على الأماكن الدينية في الأراضي المحتلة.

تهويد منهجي وتجاوز للوضع القائم

منذ مجزرة باروخ غولدشتاين عام 1994، التي راح ضحيتها 29 فلسطينيًا أثناء أدائهم لصلاة الفجر في الحرم الإبراهيمي، والاحتلال يفرض وقائع جديدة على الأرض تحت مظلة ما سُمي حينها بـ”لجنة شمغار”، التي أوصت بتقسيم الحرم بواقع 63% لليهود و37% للمسلمين. 

ومنذ ذلك التاريخ، تحوّل الحرم إلى ثكنة عسكرية، تخضع للتقسيم الزماني والمكاني، ولا يُسمح للفلسطينيين بأداء شعائرهم الدينية بحرية، حيث يُمنع رفع الأذان عشرات المرات شهريًا، وتُغلق أبوابه أمام الزوار والمصلين المسلمين في أعياد الاحتلال.

ما حدث اليوم لا يُعد تطورًا إداريًا فحسب، بل هو إزاحة مقصودة للمكون الفلسطيني الرسمي، حتى بالحد الأدنى، من إدارة الشأن العام في الخليل، لصالح جماعات استيطانية متطرفة تؤمن بيهودية المكان وتسعى لتحويله إلى معلم ديني إسرائيلي بالكامل. 

الحديث عن “تعديلات هيكلية” في الحرم يشير إلى نوايا أبعد من مجرّد السيطرة: تسقيف الحرم، إعادة بناء ساحات داخلية، وتوسيع المساحات المخصصة لليهود، كلّها خطوات تهدف في نهاية المطاف إلى تحويل الحرم إلى نسخة أخرى من المسجد الأقصى المُقسَّم زمانيًا ومكانيًا.

صمت رسمي وخيانة علنية

أمام هذا العدوان السافر، تكتفي السلطة الفلسطينية بتصريحات خجولة، مثل تلك التي صدرت عن وزير الأوقاف محمد نجم ومحافظ الخليل خالد دودين، اللذان اكتفيا بتكرار عبارات من قبيل “الحرم سيبقى إسلاميًا” دون أي إجراءات عملية على الأرض. لا حملات شعبية، ولا دعوات للاعتصام أو التصدي، ولا تفعيل لأي أدوات دبلوماسية أو قانونية، وكأن الحرم لا يقع ضمن ولاية السلطة أو مسؤوليتها.

أما الأردن، الذي لطالما ادّعى “الوصاية” على المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين، فيبدو غائبًا تمامًا عن المشهد. لا بيانات، ولا استدعاء للسفير الإسرائيلي، ولا حتى تلميح بوقف اتفاقية وادي عربة التي تُستخدم كلّ مرة كورقة ضغط نظرية فقط. هذا الصمت المريب، بل هذا التغاضي المتعمّد، لا يمكن تفسيره إلا بكونه جزءًا من معادلة خضوع إقليمي شامل يضمن للاحتلال حرية التصرف في القدس والخليل دون محاسبة.

إن هذه الخطوة ما كانت لتتم لولا تواطؤ واضح من السلطة الفلسطينية، التي تُحصر علاقتها بالحرم الإبراهيمي في بيانات موسمية، بينما تُنسق أمنيًا مع الاحتلال على بعد مئات الأمتار من الموقع. ولولا تقاعس الأردن، الذي يستخدم الوصاية كأداة دعائية في المحافل الدولية، دون أن يفعل شيئًا ملموسًا لحماية هذه الأماكن.

الحرم الإبراهيمي: رمز للمقاومة أو دليل على الاستسلام؟

الحرم الإبراهيمي ليس مجرد معلم ديني، بل هو أحد رموز الهوية الإسلامية والوطنية في فلسطين، ومنه تنطلق رسائل المقاومة والرفض للتهويد والاستيطان. وكل خطوة صهيونية تجاه تهويده تمثّل اختبارًا لنبض الشارع الفلسطيني، ولجاهزية الفصائل والمؤسسات والمجتمع في الدفاع عن المقدسات.

لكن إذا ظلّ الرد في حدود البيانات الإنشائية، سيُترجم ذلك في عقل الاحتلال على أنه ضوء أخضر للمزيد. بعد سحب الصلاحيات، ستأتي خطوات أشد: قد يتم تحويل الحرم إلى كنيس كامل، أو منعه نهائيًا عن المسلمين، كما حدث في كثير من المواقع. وإذا لم يُقابل هذا الإجرام بخطوات ميدانية في الخليل، وتحرك شعبي واسع النطاق، فإن مصير الحرم سيكون أسوأ من التقسيم.

والسؤال الذي يُطرح اليوم: من يدافع عن الحرم الإبراهيمي؟ إذا كانت السلطة منشغلة بالمناصب، والأردن غارق في سياسة “الاحتواء”، فمن يردع المستوطنين؟ وهل باتت حماية الأقصى والحرم الإبراهيمي في عهدة الشعوب فقط، دون حكومات أو دول.

خاتمة: تهويد الخليل خطوة بخطوة

ما يحدث في الحرم الإبراهيمي هو صورة مصغرة لما يخطط له الاحتلال في الضفة الغربية بأكملها. ليس الهدف فقط طرد السكان، بل محو التاريخ وتزوير الهوية وفرض سردية دينية صهيونية بالقوة. وإذا لم تكن هناك وقفة جادة، واصطفاف وطني وشعبي حقيقي، فإن الخليل ستكون أولى المدن التي تفقد مقدساتها رسميًا لصالح كيان استيطاني.

وفي ظل غياب الدور العربي الرسمي، وانشغال الفصائل الفلسطينية بخلافاتها، تزداد الحاجة لحراك شعبي شامل يعيد تعريف خطوط الدفاع عن المقدسات، ويرفع شعارًا واحدًا: الحرم الإبراهيمي خط أحمر لا يُمكن تجاوزه.

اقرأ أيضًا : الهباش التقى عملاء الاحتلال في مكة.. سلطة عباس في قلب خيانة غزة