مع تصاعد الانفلات الأمني على الحدود السورية – الفلسطينية المحتلة، تتكثف التحركات العسكرية الإسرائيلية جنوب سوريا، حيث باتت التوغلات المتكررة للاحتلال في ريفي درعا والقنيطرة مشهداً شبه يومي يعكس سياسة ممنهجة تهدف إلى تثبيت موطئ قدم جديد وفرض واقع أمني يكرّس تقسيم الجغرافيا السورية إلى كانتونات متناحرة وضعيفة.

توغلات ميدانية متزامنة

أفادت مصادر محلية أنّ قوة عسكرية إسرائيلية توغلت في منطقة معرية بحوض اليرموك في ريف درعا الغربي، ونصبت حاجزاً عند الجهة الشرقية للقرية حيث أوقفت المارة وفتشتهم بشكل استفزازي. وفي موازاة ذلك، اقتحمت قوة أخرى قريتي كويا وعابدين، بينما تحركت خمس آليات عسكرية إسرائيلية داخل قرية الصمدانية الشرقية بريف القنيطرة، حيث أقامت حاجز تفتيش جديد ترافق مع تحليق طائرات مسيّرة لمراقبة الحركة في المنطقة.

هذه التوغلات ليست معزولة عن مسار ممتد منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، إذ أصبح الاحتلال ينفّذ توغلات متكررة، أحياناً بشكل يومي، مستهدفاً مناطق ذات حساسية جغرافية قرب خط الفصل في الجولان، الأمر الذي يشي بمخطط طويل المدى يتجاوز الطابع العسكري المؤقت.

أهداف استراتيجية خلف التحركات

يؤكد محللون عسكريون أن هذه التوغلات تهدف إلى أكثر من مجرد الضغط على النظام السوري أو استهداف بقايا قواته العسكرية. فالاحتلال يسعى إلى:

  1. ترسيخ شريط أمني عازل في الجنوب السوري يشبه ما فعله سابقاً في جنوب لبنان، بما يضمن له السيطرة على الحدود ومراقبة كل التحركات.
  2. إضعاف سلطة دمشق ومنع عودة أي شكل من أشكال الدولة المركزية إلى هذه المناطق، وهو ما يفتح الباب أمام إدارة الاحتلال المباشرة أو عبر مليشيات محلية تابعة له.
  3. إحداث شرخ جغرافي – سياسي في الجنوب السوري، عبر عزل درعا والقنيطرة عن محيطهما السوري وربطهما عملياً بالمناطق المحتلة من الجولان.

تفكيك القدرات العسكرية السورية

لم تقتصر اعتداءات الاحتلال على التوغلات البرية، بل ترافقت مع ضربات جوية مركّزة استهدفت مواقع عسكرية سورية، خصوصاً منظومات الدفاع الجوي. وقد أشارت تقارير إلى أن إسرائيل تمكنت من تدمير معظم القدرات الجوية للنظام السوري في الجنوب، ما جعل المنطقة مفتوحة تماماً أمام غاراتها وتوغلاتها.

هذا المسار يندرج ضمن ما يسميه خبراء “إستراتيجية التآكل البطيء”، حيث يجري تفكيك الجيش السوري قطاعاً بعد آخر، وتجريد دمشق من أي أدوات دفاعية أو سيادية، بما يسرّع مسار تفكك الدولة السورية ويفتح الطريق لتقسيمها.

التقسيم كخيار معلن وغير معلن

المؤشرات الميدانية تقود إلى استنتاج واضح: الاحتلال لا يسعى فقط لاحتلال نقاط حدودية، بل يهدف إلى فرض وقائع تقسيمية على الأرض. فالتوغلات وبناء الحواجز لم تعد مجرد عمليات عسكرية طارئة، بل باتت جزءاً من بنية أمنية جديدة يجري فرضها تدريجياً.

ومع توسع الاحتلال في القنيطرة ودرعا، بالتوازي مع سيطرته التاريخية على الجولان، يصبح الحديث عن “شريط حدودي مستقل” أمراً واقعياً. هذا الشريط، إذا ترسخ، سيحوّل الجنوب السوري إلى منطقة عازلة بين إسرائيل وبقية سوريا، ما يكرس انفصالها الجغرافي والسياسي.

انعكاسات على المشهد الإقليمي

هذا المخطط، إذا استمر، ستكون له انعكاسات واسعة:

  • على الداخل السوري: المزيد من تفكك السلطة المركزية، وتحويل الجنوب إلى بؤرة نفوذ خارجي دائم.
  • على لبنان والأردن: خلق ضغوط أمنية جديدة عبر شريط نفوذ إسرائيلي ممتد حتى الحدود المشتركة.
  • على القضية الفلسطينية: إضعاف أي عمق استراتيجي للمقاومة في جنوب سوريا، وربط الجبهة السورية مباشرة بالمصالح الأمنية الإسرائيلية.

خاتمة: نحو واقع تقسيمي جديد

التوغلات الإسرائيلية المتواصلة جنوب سوريا لم تعد مجرد تحركات عسكرية آنية، بل باتت استراتيجية طويلة الأمد تستهدف إعادة تشكيل الخريطة السورية بما يخدم مصالح الاحتلال. 

ومع انهيار منظومة الدفاع السورية في الجنوب وغياب ردع إقليمي فعّال، يبدو أن إسرائيل تمضي بخطى ثابتة نحو تكريس تقسيم فعلي لسوريا، مستغلة حالة الانقسام الداخلي والفراغ السيادي. وهكذا يتحول الجنوب السوري إلى “مختبر تقسيمي” يهدد وحدة البلاد ومستقبلها، ويمهّد لمعادلات إقليمية أكثر هشاشة وتبعية.

اقرأ أيضًا : دعوات لمقاطعة مطعم إسرائيلي في نيويورك.. تحريض عبري وخفوت السردية الصهيونية