اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة، وبخاصة في مدينة نيويورك، على وقع دعوات واسعة لمقاطعة مطعم إسرائيلي يملكه الشيف جاي فاكنين، المعروف بسلسلة مطاعمه النباتية. الدعوات انطلقت من حساب على “إنستغرام” يحمل اسم “نباتيون من أجل فلسطين”، في إطار موجة متصاعدة من المقاطعات الشعبية حول العالم ضد المؤسسات المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي، ردًا على حرب الإبادة الجماعية التي تُرتكب في قطاع غزة منذ ما يقارب العامين.
المثير في هذه القضية أن صحيفة “إسرائيل اليوم” العبرية لم تكتفِ بتغطية الأمر، بل حرّضت بشكل مباشر ضد الحملة، ووصفتها بأنها “معاداة للسامية”، محاولةً إلباس أي فعل احتجاجي ضد جرائم الاحتلال ثوب الكراهية العرقية، في تكرار لسردية إسرائيلية تتراجع شعبيتها يومًا بعد آخر.

الاحتلال وتبييض الجرائم عبر “الطعام النباتي”
الدعوات التي أطلقها نشطاء الحملة لم تركز فقط على هوية فاكنين كإسرائيلي خدم في الجيش، بل شددت على أن استخدامه لمفهوم “النباتية” ما هو إلا وسيلة لتلميع صورة الاحتلال وتبييض جرائمه في غزة. فالنباتية التي تقوم فلسفتها على حماية الكائنات الحية والكوكب، تُستغل – بحسب القائمين على الحملة – كغطاء لتسويق صورة “إسرائيلية إنسانية” لا تتناسب مع الواقع الدموي للاحتلال.
هذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها شركات أو مطاعم إسرائيلية في الولايات المتحدة وأوروبا لحملات مشابهة. لكن اللافت أن هذا التحرك يستهدف جانبًا ثقافيًا-اجتماعيًا حساسًا، إذ إن فكرة “الطعام الصحي والواعي” تحظى بانتشار واسع في المجتمع الأمريكي. من هنا، فإن فضح التناقض بين “قيم النباتية” و”جرائم الاحتلال” يضع أصحاب هذه المشاريع في مواجهة مباشرة مع سردية تُحاول إسرائيل تصديرها إلى الغرب.
ردود فعل إسرائيلية ومحاولة قلب المعادلة
صحيفة “إسرائيل اليوم” العبرية وصفت المقاطعة بأنها “معادية للسامية”، وهو الوصف الذي تستخدمه إسرائيل بشكل متكرر لإسكات أي نقد موجه لها. لكنها في الوقت نفسه نقلت تصريحات فاكنين، الذي اعتبر أن الحملة تمثل “أداة سياسية تضر بأسرته وموظفيه”. الشيف الإسرائيلي حاول النأي بنفسه عن السياسة، مؤكداً أنه يعمل منذ 12 عامًا في مجال المطاعم دون أي تدخل سياسي.
إلا أن النشطاء المضادين ردوا بأن “خدمة فاكنين السابقة في الجيش الإسرائيلي” تكفي لتجعل مشاريعه جزءًا من ماكينة الاحتلال الاقتصادية والثقافية. بمعنى آخر، لم تعد فكرة “الفصل بين الفرد والسياسة” مقبولة في ظل جرائم إبادة ممنهجة تُرتكب ضد المدنيين في غزة.
المقاطعة كسلاح عالمي ضد الاحتلال
تأتي هذه الدعوات ضمن سياق أوسع لحملات مقاطعة إسرائيلية متصاعدة، حيث لم تعد المقاطعة محصورة في منتجات المستوطنات أو شركات السلاح، بل امتدت إلى الجامعات، المؤسسات الثقافية، وحتى مطاعم ومقاهي يملكها إسرائيليون في العواصم الغربية.
السبب المباشر هو أن الاحتلال منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 ارتكب سلسلة مجازر في غزة، أسفرت عن عشرات آلاف الشهداء، معظمهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى أكثر من 9 آلاف مفقود ومئات آلاف النازحين. ومع استمرار القصف العنيف، وفرض سياسة تجويع ممنهجة، لم تعد الرواية الإسرائيلية قادرة على تبرير هذه الأفعال. بل على العكس، تحوّل الضغط الشعبي الغربي إلى أداة قوية لمحاصرة إسرائيل اقتصاديًا وثقافيًا، بعدما أخفقت الإدارات الغربية في فرض أي قيود سياسية جدية على الاحتلال.
خفوت السردية الصهيونية أمام المد الحقوقي
المشهد اللافت اليوم هو أن السردية الإسرائيلية التي كانت لعقود قادرة على حشد تعاطف غربي عبر خطاب “الهولوكوست” و”مكافحة معاداة السامية”، تشهد تراجعًا غير مسبوق. فالمجازر الموثقة بالصوت والصورة في غزة، وتجاهل إسرائيل المتكرر لأوامر محكمة العدل الدولية بوقف جرائم الإبادة، جعلت الرواية الإسرائيلية تفقد تأثيرها.
لم يعد من السهل إقناع الرأي العام الغربي بأن انتقاد مطعم أو شيف إسرائيلي هو “كراهية لليهود”. بالعكس، بات الوعي الشعبي يميز بين “اليهود كديانة” و”إسرائيل كدولة احتلال”. هذه النقلة النوعية تُضعف قدرة اللوبيات الصهيونية على كبح حملات المقاطعة، بل وتجعل التحريض الإعلامي – كما فعلت “إسرائيل اليوم” – يبدو عاجزًا ومبتذلًا أمام اتساع حركة التضامن.
خاتمة: معركة الوعي مستمرة
حملة مقاطعة مطعم فاكنين في نيويورك ليست مجرد دعوة عابرة، بل هي جزء من معركة وعي أوسع تستهدف كشف تناقضات المشروع الصهيوني في الغرب. فبينما يحاول الاحتلال الاستفادة من مفاهيم مثل “النباتية” و”حقوق الحيوان” لتلميع صورته، تنجح حركات التضامن في قلب الطاولة عبر ربط هذه المشاريع مباشرةً بجرائم غزة.
إن خفوت السردية الصهيونية، وتآكل قدرة إسرائيل على التلاعب بمفهوم “معاداة السامية”، يمثلان تحوّلًا مهمًا في المشهد الدولي. فالمقاطعة لم تعد مجرد وسيلة ضغط اقتصادي، بل باتت أداة لإعادة صياغة الوعي العالمي تجاه إسرائيل، بوصفها كيانًا استعماريا يعيش على التناقض بين شعارات براقة وواقع دموي.
وبينما يتصاعد القصف على غزة ويستمر نزيف الدماء، فإن حملات المقاطعة، مهما بدت صغيرة، تُشكل حجرًا إضافيًا في جدار عزل الاحتلال، وتؤكد أن معركة الوعي والرواية لا تقل أهمية عن المعارك الميدانية.
اقرأ أيضًا : هذه كلفة النزوح من غزة.. مأساة مضاعفة تحت القصف والحصار