في تصعيد جديد للعدوان الإسرائيلي المتواصل على الشعب الفلسطيني، أقدمت قوات الاحتلال مساء الأربعاء على إطلاق النار بشكل مباشر على مجموعة من الشبان الفلسطينيين في بلدة الخضر جنوب مدينة بيت لحم بالضفة الغربية المحتلة، ما أدى إلى وقوع إصابات، بينما منعت طواقم الهلال الأحمر من الوصول إلى الجرحى، في انتهاك صارخ لأبسط قواعد القانون الدولي الإنساني.

إطلاق نار ومنع إسعاف.. عقيدة الاحتلال في التعامل مع الفلسطينيين
أفادت وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية “وفا” بأن “عدداً من الشبان الفلسطينيين أُصيبوا برصاص قوات الاحتلال قرب منطقة العبارة في الجهة الغربية من بلدة الخضر”، مشيرة إلى أن طبيعة الإصابات وعددها الدقيق لم يُعرفا بعد نتيجة منع الاحتلال لطواقم الإسعاف من الوصول إليهم.
وأكدت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، في بيان رسمي، أن “جيش الاحتلال يمنع طواقمها من إسعاف المصابين في بلدة الخضر”، ما يرفع من خطر فقدان المصابين لحياتهم بسبب النزيف أو تأخر العلاج، وهو سلوك بات ممنهجاً لدى الاحتلال الإسرائيلي، ويتعارض مع اتفاقيات جنيف التي تلزم الأطراف المتحاربة باحترام وحماية الفرق الطبية والمصابين.
هذا التصرف، الذي لا يُعد الأول من نوعه، يعكس نهج الاحتلال في استخدام السلاح كأداة للإرهاب الجماعي ضد السكان المدنيين، ومنع أي شكل من أشكال الإغاثة أو الرعاية، ما يرقى إلى جريمة حرب مكتملة الأركان. إذ تنص القوانين الدولية على ضرورة حماية الجرحى ومنحهم الرعاية الطبية العاجلة، كما تفرض على الاحتلال كقوة قائمة على الأرض مسؤولية قانونية تجاه المدنيين.
جرائم ميدانية تتصاعد.. واستشهاد طفل قرب جنين
لم تقتصر جرائم الأربعاء على بيت لحم، فقد شهدت مناطق أخرى في الضفة الغربية انتهاكات دموية، أبرزها ما وقع قرب مدينة جنين شمال الضفة، حيث أطلق جنود الاحتلال النار على طفل فلسطيني وأردوه شهيداً، في جريمة جديدة تضاف إلى سلسلة من الاستهدافات الممنهجة للأطفال.
ويأتي هذا الحادث ضمن مسلسل يومي من الاقتحامات التي ينفذها جيش الاحتلال في مدن وبلدات الضفة الغربية، تتخللها أعمال دهم منازل، واعتقال تعسفي، واعتداءات جسدية على المواطنين، تُنفذ في ظل صمت دولي، وتواطؤ إقليمي، خاصة من أنظمة عربية طبّعت مع الاحتلال وتخلت عن الحد الأدنى من واجبها تجاه فلسطين.
منذ بدء الحرب على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كثّفت إسرائيل عملياتها العدوانية في الضفة الغربية، حيث استُشهد 1002 فلسطيني حتى مساء الثلاثاء، بينهم نساء وأطفال، بينما أصيب نحو 7 آلاف آخرين، بحسب إحصائيات فلسطينية رسمية. وهذه الأرقام تشير إلى أن الاحتلال يستخدم الضفة كساحة موازية لتصفية حساباته وقمع أي حراك شعبي مناهض لحربه على غزة.
الكنيست يشرعن الضم.. تصعيد سياسي يُهدد المنطقة
في الوقت ذاته، صوت الكنيست الإسرائيلي بأغلبية 71 نائباً من أصل 120 لصالح اقتراح يدعم ضم الضفة الغربية وغور الأردن إلى إسرائيل، في خطوة رمزية لكن خطيرة من حيث مدلولها السياسي، إذ تعبّر عن توجه واضح داخل الائتلاف الحاكم في تل أبيب نحو فرض السيادة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ورغم أن الاقتراح لا يحمل قوة تشريعية ملزمة، حسب القناة 14 العبرية، فإنه يُعد بمثابة “إعلان نوايا” لتكريس الاحتلال وتوسيع المشروع الاستيطاني، وهو ما اعتبرته يديعوت أحرونوت بمثابة محاولة لتوجيه رسالة واضحة إلى الإدارة الأمريكية والدول الغربية بأن حكومة نتنياهو ماضية في فرض الأمر الواقع، متجاهلة كل القرارات الدولية التي تعتبر الضفة الغربية أرضًا محتلة.
هذه الخطوة التشريعية، التي تتزامن مع التصعيد الميداني، تشير إلى أن الاحتلال بات يتحرك على مستويين: قتل الفلسطينيين ميدانيًا، وسرقة أراضيهم قانونيًا. وبين هذا وذاك، تواصل حكومة نتنياهو العمل على تصفية ما تبقى من مشروع الدولة الفلسطينية، مدفوعةً بتحالف يميني متطرف يدعو علناً لطرد الفلسطينيين من أرضهم.
حرب إبادة متواصلة في غزة وامتدادها للضفة
ما يجري في الضفة الغربية ليس منعزلاً عن السياق العام للعدوان الإسرائيلي الممتد منذ أكثر من تسعة أشهر على قطاع غزة، والذي أدى إلى استشهاد أكثر من 38 ألف فلسطيني، وفق مصادر طبية، إضافة إلى إصابة نحو 170 ألفًا، معظمهم من الأطفال والنساء، ناهيك عن المجاعة التي حصدت أرواح أكثر من 1000 طفل، وتدمير أكثر من نصف المباني في القطاع، وتهجير مئات الآلاف.
هذه الحرب التي تمارس فيها إسرائيل جرائم ضد الإنسانية بلا رادع، وجدت في صمت المجتمع الدولي، وفي التواطؤ العربي، بيئة خصبة للتمدد نحو الضفة، وتحويل كامل الجغرافيا الفلسطينية إلى مسرح مفتوح للإعدامات الميدانية، وتجريب أدوات السيطرة الأمنية والديموغرافية، تمهيدًا لتنفيذ مخططات الترانسفير والضم الكامل.
خاتمة: مسؤولية المجتمع الدولي ومطلوب فلسطينيًا
في ظل هذه الجرائم المتصاعدة، تقع المسؤولية بالدرجة الأولى على المجتمع الدولي ومنظماته الحقوقية التي تملك الأدوات القانونية لمحاكمة مجرمي الحرب، لكنها حتى الآن لم ترتقِ إلى مستوى التحدي الإنساني والقانوني.
أما على المستوى الفلسطيني، فإن استمرار الانقسام الداخلي، وصمت السلطة الفلسطينية على جرائم الاحتلال في الضفة، بل وتنسيقها الأمني معه، يمنح الاحتلال غطاء إضافيًا. ومن هنا، فإن المطلوب ليس فقط الإدانة، بل إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني، وتوحيد الجهود للمواجهة الشعبية والسياسية، لأن ما يجري ليس فقط عدوانًا، بل مشروع تصفية شامل للقضية الفلسطينية.
اقرأ أيضًا : جامعة كولومبيا تقمع الأصوات الحرة: الطرد وسحب الشهادات عقوبة لنصرة غزة