في خطوة وصفت بأنها “أخطر تصعيد” ضد الحراك الطلابي المناهض للاحتلال الإسرائيلي، أعلنت جامعة كولومبيا، إحدى أعرق الجامعات الأمريكية، عن فرض عقوبات صارمة طالت ما يقارب 80 طالبًا من المشاركين في احتجاجات داعمة لفلسطين. العقوبات تنوّعت بين الإيقاف المؤقت عن الدراسة، والمراقبة التأديبية، وسحب الشهادات، ووصلت إلى الطرد النهائي من الجامعة، وهو ما أثار جدلًا واسعًا داخل المجتمع الأكاديمي الأمريكي والعالمي.

وجاءت هذه الخطوة بعد سلسلة من التحركات الطلابية التي شهدها حرم الجامعة، لا سيما اعتصام داخل مكتبة الجامعة في مايو/أيار الماضي، حيث أقام الطلاب مخيّمًا احتجاجيًا للتنديد بالحرب الإسرائيلية على غزة، والمطالبة بقطع العلاقات الأكاديمية والمالية مع المؤسسات الإسرائيلية. وبحسب بيان الجامعة، فإن هذا الاعتصام “عطّل” سير الامتحانات ومنع مئات الطلاب من استخدام المكتبة، في محاولة لتبرير العقوبات القاسية.

الضغوط السياسية خلف الكواليس: ترامب يلوّح بالتمويل الفيدرالي

القرار التأديبي جاء في ظل ضغوط مكثفة من إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، التي اتهمت جامعة كولومبيا وغيرها من الجامعات العريقة، مثل هارفرد، بالتراخي في مواجهة ما وصفته بـ”المعاداة للسامية” في الاحتجاجات الطلابية. ورغم أنّ معظم هذه الاحتجاجات رفعت شعارات واضحة ضد الاحتلال والدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، إلا أنّ إدارة ترامب حاولت تصويرها كتهديد للطلاب اليهود، وسعت إلى معاقبة المؤسسات التي سمحت بها.

وبالفعل، قطعت الحكومة الأمريكية أكثر من 400 مليون دولار من التمويل الفيدرالي المخصص لجامعة كولومبيا، ما دفع إدارة الجامعة إلى اتخاذ سلسلة من الخطوات التي فسّرت على أنها محاولة “ترضية” للسلطات، تتضمن إصلاحات إدارية وتشريعية داخل الجامعة، فضلاً عن التصعيد ضد الأصوات الداعمة لفلسطين.

المفارقة هنا أن جامعة كولومبيا، التي طالما قدمت نفسها كمنبر للحرية الأكاديمية والتعبير، باتت اليوم موضع اتهام بممارسة القمع ضد طلبتها ومصادرة حقهم في التظاهر والتعبير السلمي عن آرائهم، وهو ما يضع مبادئ الحريات الأساسية في الجامعات الأمريكية تحت المجهر.

رفض طلابي وتصعيد مرتقب

في أعقاب بيان الجامعة، أصدرت مجموعة من الطلبة المناهضين للاحتلال بيانًا شديد اللهجة، أكدوا فيه أن هذه العقوبات لن تثنيهم عن الاستمرار في نضالهم من أجل العدالة والحرية للشعب الفلسطيني. وجاء في البيان: “لن نتراجع. نحن ملتزمون بالنضال من أجل التحرير الفلسطيني”.

كما نُظمت وقفة احتجاجية داخل الحرم الجامعي بمشاركة طلاب وأساتذة، اعتبرت أن الجامعة رضخت للابتزاز السياسي على حساب المبادئ الأكاديمية، وطالبت الإدارة بإلغاء العقوبات وإعادة النظر في سياساتها التأديبية.

وتشير المؤشرات إلى أن الأزمة مرشحة للتصاعد، خاصة مع استعداد عدد من الأساتذة والطلبة لتقديم دعاوى قانونية ضد قرارات الطرد وسحب الشهادات، باعتبارها تمييزية وغير دستورية، وتنتهك الحق في حرية التعبير الذي يكفله التعديل الأول للدستور الأمريكي.

سؤال الحريات في الجامعات الأمريكية

هذه الحادثة تفتح بابًا واسعًا للنقاش حول حرية التعبير في المؤسسات التعليمية الأمريكية، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمواقف تنتقد السياسة الخارجية للولايات المتحدة أو تدعم القضية الفلسطينية. إذ بينما يُسمح للطلبة بالتظاهر لمجموعة واسعة من القضايا، يبدو أن القضية الفلسطينية تظل “الخط الأحمر” الذي تهابه الإدارات الجامعية خشية من العقوبات السياسية والمالية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تزداد فيه الحملات المناهضة للحرب في غزة داخل الأوساط الشبابية والطلابية الأمريكية، ما يجعل الجامعات ساحة مواجهة بين مبدأ حرية التعبير من جهة، وحسابات التمويل والضغوط السياسية من جهة أخرى.

خاتمة: هل تخسر الجامعات روحها؟

ما حدث في جامعة كولومبيا لا يخصها وحدها، بل يشكّل سابقة خطيرة في التعاطي مع النشاط السياسي الطلابي في الولايات المتحدة. فحين يصبح الدفاع عن الضحايا المدنيين في غزة جريمة تُعاقب بالطرد وسحب الشهادات، فإن السؤال المطروح: ما جدوى الجامعات إذا كانت عاجزة عن حماية حرية التفكير والضمير؟

من الواضح أن إدارة كولومبيا اختارت البقاء في “منطقة الأمان السياسي”، حتى وإن كان الثمن هو وأد صوت طلابها. لكن التاريخ علّمنا أن صمود الطلاب في وجه الظلم كان دوماً أقوى من قرارات الإدارة، وأنّ حركات التحرر لم تكن يومًا ترتهن للموازنات، بل تولد في لحظات التحدي.

اقرأ أيضا: إغلاق المجال الجوي للاحتلال بعد صاروخ حوثي من اليمن: هجوم جديد يكشف هشاشة إسرائيل الأمنية