تشهد الضفة الغربية المحتلة تصعيدًا إسرائيليًا هو الأخطر منذ سنوات، مع اتساع رقعة الاقتحامات العسكرية والاعتقالات الجماعية واستخدام الرصاص الحي ضد الفلسطينيين، بالتوازي مع تصاعد اعتداءات المستوطنين. هذا المشهد لا يبدو عابرًا أو مرتبطًا بحوادث أمنية محددة، بل يعكس انتقال الاحتلال إلى مرحلة العقاب الجماعي المفتوح، في سياق سياسي وأمني يهدف إلى كسر الإرادة الفلسطينية ومنع أي انفجار شامل في ظل استمرار الحرب على غزة.

الرصاص الحي كأداة يومية للقمع
خلال الأيام الأخيرة، سُجّلت إصابات متعددة برصاص جيش الاحتلال في عدة مناطق من الضفة. ففي مخيم الجلزون شمال رام الله، أصيب فلسطينيان بالرصاص الحي، إحداهما إصابة خطيرة في البطن، في تأكيد جديد على اعتماد الجيش الإسرائيلي القوة المميتة حتى في مواجهات محدودة. إطلاق النار لم يعد إجراءً استثنائيًا، بل تحوّل إلى سياسة ثابتة تُستخدم لترهيب السكان وفرض السيطرة بالقوة، دون أي اعتبار لسلامة المدنيين.
اقتحامات المدن والبلدات: سياسة إنهاك ممنهجة
الاقتحامات الإسرائيلية لم تقتصر على المخيمات، بل طالت بلدات وقرى عديدة، من الرام شمال القدس إلى سلواد وقرى غرب رام الله، وصولًا إلى جنين وبلداتها. هذه الاقتحامات، التي تجري ليلًا ونهارًا، تترافق مع انتشار كثيف للقوات، وإغلاق طرق، وتفتيش منازل، وتحويل حياة الفلسطينيين إلى حالة طوارئ دائمة. الهدف الواضح هو إنهاك المجتمع الفلسطيني، وتفكيك أي شعور بالأمان أو الاستقرار، ودفع الناس إلى حالة من الإرباك المستمر.
استهداف أماكن العبادة: كسر الرمزية الدينية
في مشهد بالغ الدلالة، أطلقت قوات الاحتلال قنابل الغاز المسيل للدموع داخل ساحات مسجد الشهداء في قرية قبيا غرب رام الله، أثناء أداء صلاة الجمعة، ما أدى إلى إصابة عدد من المصلين بحالات اختناق. استهداف المساجد في أوقات الصلاة لم يعد حادثًا نادرًا، بل أصبح جزءًا من نمط قمعي يتعمد كسر الرمزية الدينية والاجتماعية، وإيصال رسالة مفادها أن الاحتلال لا يعترف بأي خطوط حمراء، لا دينية ولا إنسانية.
عنف المستوطنين: ذراع موازية للاحتلال
بالتوازي مع عمليات الجيش، تصاعدت اعتداءات المستوطنين بشكل لافت. في نابلس، أقدم مستوطن إسرائيلي على دهس شاب فلسطيني عمدًا، ما أدى إلى إصابته بكسور في قدميه. هذه الجريمة ليست حادثة فردية، بل تعبير عن ظاهرة متنامية، حيث يتحرك المستوطنون بثقة كاملة في الإفلات من العقاب، وغالبًا تحت حماية الجيش. المستوطن بات جزءًا من منظومة القمع، يؤدي دور “المنفذ غير الرسمي” لسياسات الاحتلال، عبر نشر الرعب في الشوارع والقرى الفلسطينية.
جنين نموذج الاستنزاف المستمر
في شمال الضفة، تواصل قوات الاحتلال اقتحام بلدات محافظة جنين، التي تحولت منذ أشهر إلى ساحة عمليات شبه دائمة. تدمير البنية التحتية، والاعتقالات الواسعة، والاغتيالات الميدانية، جعلت من جنين نموذجًا لما يسعى الاحتلال إلى تعميمه: منطقة مستنزفة أمنيًا واقتصاديًا، تُدار بالقوة العسكرية لا بالقانون. هذا النهج يهدف إلى تفريغ أي حاضنة مقاومة، لكنه في الوقت نفسه يراكم مشاعر الغضب والاحتقان.
الاعتقالات وإعادة اعتقال المحررين
في جنوب الضفة، اعتقلت قوات الاحتلال أسيرًا محررًا في الخليل، في استمرار لسياسة إعادة اعتقال المحررين كأداة انتقامية. هذه السياسة تعكس منطقًا واضحًا: لا نهاية للعقاب، حتى بعد انقضاء مدة الحكم. الاعتقال بات وسيلة للضغط النفسي والاجتماعي، لا على الفرد فقط، بل على عائلته ومحيطه، في محاولة لكسر أي روح تحدٍ أو مقاومة.
أرقام تكشف حجم الجريمة
منذ السابع من أكتوبر 2023، قُتل أكثر من 1100 فلسطيني في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وأُصيب نحو 11 ألفًا، فيما تجاوز عدد المعتقلين 21 ألفًا. هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن حصيلة دموية، بل تكشف عن استراتيجية إسرائيلية قائمة على القتل والاعتقال والترويع، في إطار مشروع أوسع لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني بالقوة.
خاتمة: تصعيد ينذر بانفجار أكبر
ما يجري في الضفة الغربية اليوم ليس مجرد تصعيد أمني، بل مرحلة جديدة من العدوان المفتوح، حيث يتحول الفلسطيني إلى هدف دائم، في الشارع، والمسجد، والمخيم، والبيت. وفي ظل صمت دولي مريب، يواصل الاحتلال اختبار حدود الإفلات من العقاب. غير أن التاريخ القريب والبعيد يؤكد أن سياسات الإجرام والقمع، مهما بلغت شدتها، لا تُنتج استقرارًا، بل تزرع بذور انفجار قادم قد يتجاوز حسابات الاحتلال نفسها.
اقرأ أيضا : الاحتلال يقصف خان يونس بالطائرات والزوارق والمدفعية