في تصعيد جديد يعكس خطورة المرحلة التي يشهدها الجنوب اللبناني، أعلن الجيش اللبناني، الأحد، حالة الاستنفار في بلدة ميس الجبل بقضاء مرجعيون، عقب تحركات عسكرية نفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي بمحاذاة الحدود اللبنانية، في وقتٍ تتزايد فيه الخروقات الجوية والبرية الإسرائيلية، وسط صمت دولي وانتقادات داخلية لتقاعس الأمم المتحدة في ضبط الانتهاكات المتكررة.

استنفار لبناني بعد تحركات إسرائيلية مشبوهة

أفادت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية بأن جيش الاحتلال الإسرائيلي استنفر قواته داخل الأراضي المحتلة مقابل حي كروم المراح شرق ميس الجبل، ما دفع الجيش اللبناني إلى استنفار وحداته ونشر آلياته وعناصره في المنطقة الحدودية تحسباً لأي خرق جديد، قبل أن ينسحب جيش الاحتلال بعد ساعات.

ويُعد هذا التحرك من أبرز مظاهر التوتر الأخيرة على الحدود الجنوبية، التي تشهد منذ أسابيع سلسلة من المواجهات المحدودة والقصف المتبادل بين الجيش الإسرائيلي ومقاتلي حزب الله، في ظلّ حالة من الترقب الشعبي لاحتمال توسع نطاق المواجهة.

وجاءت هذه الخطوة بعد يومين فقط من إصدار الرئيس اللبناني جوزاف عون توجيهات صريحة للجيش بالتصدي لأي توغل عسكري إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية المحررة، في سابقة تعكس تشدد المؤسسة العسكرية في مواجهة التصعيد الإسرائيلي، بعد عملية اغتيال نفذتها قوة إسرائيلية داخل بلدة بليدا جنوب البلاد، استهدفت موظفاً مدنياً داخل مبنى البلدية، في حادثة وصفتها السلطات اللبنانية بأنها “عدوان غير مسبوق” منذ اتفاق وقف إطلاق النار.

تجدد الغارات الإسرائيلية.. ودماء جديدة في النبطية

بالتزامن مع إعلان الاستنفار، واصل جيش الاحتلال ارتكاب اعتداءاته بحق المدنيين اللبنانيين، حيث استشهد أربعة أشخاص مساء السبت جراء غارة إسرائيلية استهدفت سيارتهم في بلدة كفررمان بقضاء النبطية.

وقالت وزارة الصحة اللبنانية في بيان رسمي إن “غارة العدو الإسرائيلي هذا المساء على بلدة كفررمان أدت في حصيلة أولية إلى سقوط أربعة شهداء وإصابة ثلاثة مواطنين بجروح”، فيما أكدت الوكالة الوطنية للإعلام أن طائرة مسيرة إسرائيلية نفذت الغارة بصاروخ موجه استهدف سيارة رباعية الدفع على طريق البلدة.

وقبلها بساعات، أصيب مواطن في قصف إسرائيلي استهدف بلدة كفرصير جنوب لبنان، ضمن خروقات الاحتلال المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع نهاية عام 2024، والذي يفترض أنه لا يزال سارياً حتى اليوم.

كما استشهد شخصان وأصيب ثالث الجمعة في غارتين استهدفتا دراجتين ناريتين بمحافظة النبطية، في تصعيد وصفه مراقبون بأنه محاولة إسرائيلية “لتوسيع دائرة النار” باتجاه الداخل اللبناني، تحت ذريعة ملاحقة عناصر من حزب الله.

إسرائيل تخرق وقف النار وتجرّ لبنان إلى حافة الانفجار

تأتي هذه التطورات وسط تصاعد الخروقات الإسرائيلية في الجنوب، حيث تجاوزت القوات الإسرائيلية مراراً “الخط الأزرق” وواصلت تحليق الطائرات الحربية والمسيّرات داخل الأجواء اللبنانية، في تحدٍّ واضح للقرارات الدولية، لا سيما القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن عقب حرب تموز 2006، والذي ينص على وقف الأعمال العدائية واحترام سيادة لبنان.

وتشير مصادر ميدانية إلى أن إسرائيل كثفت عمليات القصف والاستطلاع خلال الأسابيع الأخيرة، فيما أرسلت تعزيزات إلى مستوطناتها الشمالية المقابلة لمناطق النبطية ومرجعيون وبنت جبيل، في ظل تقديرات استخبارية إسرائيلية تتحدث عن احتمالات “جبهة ثانية” قد تُفتح في أي لحظة إذا استمرت الحرب في غزة.

وبينما تتذرع تل أبيب بأنها “ترد على مصادر نيران حزب الله”، يرى محللون أن إسرائيل تستخدم الجنوب اللبناني كورقة ضغط ميدانية وإعلامية لتخفيف عزلتها الدولية المتزايدة بعد جرائمها في غزة، عبر افتعال مواجهات محدودة لإبقاء الجبهة الشمالية مشتعلة دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

موقف لبناني حازم وتحديات ميدانية متصاعدة

من جانبه، شدد الرئيس جوزاف عون على أن الجيش اللبناني “لن يسمح بأي خرق لسيادة البلاد أو المساس بأمن المواطنين”، داعياً المجتمع الدولي إلى “تحمل مسؤولياته في وقف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة”.

وأكدت مصادر عسكرية أن الجيش اللبناني رفع درجة التأهب في معظم نقاط المراقبة الحدودية من الناقورة غرباً حتى ميس الجبل شرقاً، مع تعزيز التنسيق مع قوات اليونيفيل العاملة في الجنوب لضمان منع التصعيد.

في المقابل، نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مصادر أمنية في تل أبيب أن الحكومة تدرس “توسيع عملياتها في الجنوب اللبناني”، بزعم “الرد على مساعي حزب الله لتعزيز قدراته الصاروخية”، في مؤشر على نية إسرائيل مواصلة سياسة الاغتيالات والاستهدافات الجوية داخل الأراضي اللبنانية.

التحليل: حرب استنزاف إسرائيلية تحت غطاء الدفاع

يرى مراقبون أن إعلان الجيش اللبناني الاستنفار لا يعبّر فقط عن ردّ تكتيكي على تحركات الاحتلال، بل هو تحول في قواعد الاشتباك بعد سلسلة عمليات اغتيال إسرائيلية داخل العمق اللبناني. فلبنان، الذي يعيش أزمة سياسية واقتصادية خانقة، لا يريد الانجرار إلى حرب مفتوحة، لكنه في الوقت نفسه يرفض استمرار الاحتلال في فرض وقائع ميدانية جديدة.

وفي المقابل، تستغل إسرائيل الصمت الدولي لإدامة حرب استنزاف منخفضة الحدة، تراهن فيها على إنهاك لبنان اقتصادياً وأمنياً، وعلى تآكل الردع الداخلي لحزب الله عبر ضربات انتقائية ومتقطعة.

ومع أن فرص اندلاع مواجهة شاملة ما زالت محدودة، فإن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية واستهداف المدنيين يؤجج الغضب الشعبي ويقوّض أي إمكانية لتهدئة دائمة، في ظل غياب ضغط دولي حقيقي يلزم إسرائيل بوقف جرائمها المتكررة.

وبين استنفار الجيش اللبناني واندفاع الاحتلال نحو مزيد من التصعيد، يبدو الجنوب اللبناني اليوم على صفيح ساخن، بينما تتعالى أصوات التحذير من أن أي خطأ ميداني قد يشعل حرباً جديدة تضاف إلى سجل الإجرام الإسرائيلي المفتوح في المنطقة.

اقرأ أيضًا : مجزرة الفاشر.. 300 امرأة ضحية لعنف الدعم السريع في جريمة تُدين صمت العالم