في مشهد يُجسّد وحشية الحرب وانهيار الضمير الإنساني، كشفت وزيرة الدولة للرعاية الاجتماعية في السودان سُليمى إسحاق أن قوات الدعم السريع ارتكبت واحدة من أبشع المجازر في تاريخ دارفور، بقتلها نحو 300 امرأة خلال 48 ساعة فقط من دخولها مدينة الفاشر، مركز ولاية شمال دارفور، مشيرة إلى أن الضحايا تعرّضن لاعتداءات جنسية وتعذيب وسحل وتنكيل، في ما وصفته بأنه “تطهير عرقي ممنهج يتواطأ عليه الجميع بالصمت”.

جرائم ممنهجة.. والنساء في قلب العاصفة

أكدت الوزيرة السودانية أن ما شهدته الفاشر خلال الأيام الأولى من سيطرة الدعم السريع لم يكن مجرد عمليات قتال، بل حملة انتقامية ذات طابع عرقي وجنسي ضد النساء والمدنيين العزّل.

وقالت إن كل من يحاول مغادرة المدينة بات “مهدداً بالموت”، موضحة أن الطريق الواصل بين الفاشر وطويلة تحوّل إلى “طريق للموت”، حيث تنتشر الميليشيات المسلحة وتستهدف الفارين بالقتل أو الاغتصاب أو الاعتقال.

وأضافت أن العائلات التي لا تزال داخل المدينة تعيش “جحيماً يومياً”، وسط أعمال سحل وإذلال وتعذيب، مشيرة إلى أن المقاتلين يمارسون العنف الجنسي كسلاح لإخضاع النساء وإذلال المجتمع المحلي بأكمله. واعتبرت أن ما جرى يرقى إلى “جريمة إبادة جماعية” تستهدف هوية سكان الإقليم وأمنهم الاجتماعي، محمّلة المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية مسؤولية التخاذل والصمت أمام هذه الجرائم المروّعة.

الفاشر.. من مدينة السلام إلى مسرح للإبادة

الفاشر، التي كانت يوماً ما مركزاً حضارياً وتجارياً في دارفور، تحولت خلال ساعات إلى مسرح دموي لمجازر منظمة. دخول قوات الدعم السريع إليها لم يكن مجرد خطوة عسكرية، بل بداية فصل جديد من الرعب في تاريخ السودان الحديث.

فمع انهيار خطوط الدفاع عن المدينة، شنت الميليشيات هجمات موسّعة على الأحياء السكنية، أحرقت المنازل، ونهبت الممتلكات، واعتقلت المئات، فيما تحولت المدارس والمستشفيات إلى مراكز احتجاز وتعذيب.

تؤكد شهادات الناجين أن الهجمات كانت “انتقائية” ضد مكوّنات اجتماعية بعينها، وأن العنف الجنسي استُخدم كسلاح مركزي لإحداث صدمة مجتمعية طويلة الأمد، تهدف إلى تهجير السكان وتغيير التركيبة السكانية في شمال دارفور بالكامل.

تحذيرات المنظمات الإنسانية.. وممرات الموت

منظمات الإغاثة العاملة في الإقليم حذّرت من تدهور كارثي للوضع الإنساني في الفاشر، مؤكدة أن آلاف المدنيين ما زالوا محاصرين داخل المدينة بلا غذاء أو دواء أو ممرات آمنة للهرب.

وأشارت إلى أن قوات الدعم السريع تمنع السكان من مغادرة المدينة نحو “طويلة”، وهي آخر المناطق التي يمكن الوصول إليها، حيث تعمل بعض فرق الإغاثة على استقبال الفارين.

كما حذرت منظمات إنسانية من أن الوضع في دارفور يوشك على التحول إلى “كارثة إنسانية شاملة”، مع تزايد أعداد القتلى والمفقودين، وتدهور الخدمات الطبية، وانتشار المجاعة والأوبئة، ما قد يدفع مئات الآلاف للنزوح القسري نحو الحدود التشادية.

دور خارجي مشبوه.. واتهامات للإمارات

تزامن تصاعد العنف في الفاشر مع اتهامات متجددة للإمارات بتقديم دعم عسكري ولوجستي لقوات الدعم السريع.

فبحسب مصادر حكومية سودانية، فإن الإمدادات التي تتلقاها الميليشيا تأتي من شبكات تسليح تعمل عبر دول الجوار، بدعم وتمويل من أبوظبي التي تسعى، وفق مراقبين، إلى توسيع نفوذها في القرن الإفريقي ودارفور الغنية بالذهب والمعادن.

وتُتهم الإمارات بأنها تشرف على خطوط إمداد تمرّ عبر تشاد وليبيا لنقل السلاح والمعدات إلى قوات الدعم السريع، في الوقت الذي ترفع فيه شعار “الوساطة الإنسانية”، ما جعلها – بحسب مراقبين – “طرفاً في الجريمة لا وسيطاً للسلام”.

هذا التورط الإماراتي في تمويل حرب دارفور يُعد حلقة جديدة من تدخلات أبوظبي العسكرية في المنطقة، كما فعلت سابقاً في اليمن وليبيا، حيث ساهمت أموالها في إطالة أمد الصراعات وتفكيك الدول.

صمت العالم.. تواطؤ أم عجز؟

في ظل هذه المجازر المروعة، لم يصدر عن المجتمع الدولي سوى بيانات خجولة تدعو إلى “التهدئة” و”ضبط النفس”، دون أي خطوات ملموسة لوقف الجرائم أو محاسبة مرتكبيها.

تقول الوزيرة سليمى إسحاق إن ما يجري “وصمة عار على جبين الإنسانية”، متهمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن بالتقاعس عن أداء واجبهما في حماية المدنيين، رغم توفّر الأدلة المصوّرة والشهادات الميدانية على جرائم الدعم السريع.

ويرى محللون أن الصمت الدولي ليس مجرد عجز بل تواطؤ ضمني، خاصة مع تغاضي القوى الكبرى عن الدور الإماراتي في تسليح الميليشيات، ما يعكس ازدواجية المعايير في التعامل مع الأزمات الإنسانية في العالم العربي والإفريقي.

الفاشر.. جرح السودان المفتوح

تمثل مأساة الفاشر امتداداً لمسار الحرب التي تمزق السودان منذ أبريل 2023، بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع، والتي أودت بحياة عشرات الآلاف وشرّدت أكثر من 13 مليون إنسان.

ومع سيطرة الدعم السريع على كامل ولايات دارفور الخمس، وتقدمها نحو مناطق جديدة، يبدو أن البلاد تتجه إلى تقسيم فعلي على الأرض، بينما يغرق المدنيون في دوامة الجوع والرعب والنزوح.

ما حدث في الفاشر خلال 48 ساعة فقط يكشف الوجه الحقيقي للحرب في السودان: حرب بلا خطوط حمراء، تُستخدم فيها أجساد النساء كسلاح، والقرى كميادين للتطهير، والمدن كمختبرات للتقسيم.

ومادام المجتمع الدولي يكتفي بالبيانات والقلق، فإن دارفور ستظل تُدفن مرتين: مرة تحت أنقاض القصف، ومرة أخرى تحت رماد النسيان.

اقرأ أيضًا : “أبوظبي تدين نفسها”.. الإمارات تستنكر مجازر الفاشر وسط اتهامات بتمويل الدعم السريع