في خطوة تعكس التصعيد الأخطر في المشروع الاستيطاني منذ عقود، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن خطة حكومية شاملة تهدف لإقامة 17 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية خلال السنوات الخمس المقبلة، بميزانية “هائلة وغير مسبوقة” تتجاوز 2.7 مليار شيكل، ما يعكس إصرار الاحتلال على نهب مزيد من الأراضي الفلسطينية، وتكريس واقع استعماري دائم تحت غطاء “التطوير والبنى التحتية والأمن”.

الخطة التي أعلنها وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش، ليست مجرد توسعة تقليدية لنشاط استيطاني قائم، بل برنامج متعدد الأذرع يشمل بناء مستوطنات جديدة، ونقل قواعد عسكرية، وتسجيل مساحات هائلة من الأراضي باسم الاحتلال، وتطوير بؤر استيطانية عشوائية لتصبح مستوطنات رسمية، في محاولة لفرض “ترسيم نهائي” للضفة الغربية كعمق استراتيجي لدولة الاحتلال.

هذه الخطوة، التي تراها مؤسسات حقوقية فلسطينية ودولية امتداداً لجريمة الضم الزاحف، تكرّس نظام فصل عنصري (أبارتهايد) يمزّق الضفة الغربية إلى جزر معزولة، ويمنح المستوطنين امتيازات مالية وعسكرية ضخمة، مقابل سحق الوجود الفلسطيني ومحاصرته جغرافياً واقتصادياً.

ميزانية فلكية.. هندسة استيطان فوق أنقاض الحقوق الفلسطينية

تشير التفاصيل إلى أن من أصل الميزانية البالغة 2.7 مليار شيكل، سيتم تخصيص 1.1 مليار شيكل مباشرة لإنشاء وتعزيز المستوطنات، بينما يحصل المشروع الاستيطاني الجديد على 660 مليون شيكل تشمل المستوطنات المُعلن عنها حديثاً مثل “معالوت حلحول”، “شانور”، و“هار عيبال”.

كما تتضمن الخطة تخصيص 338 مليون شيكل لتطوير 36 مستوطنة وبؤرة استيطانية قيد التنظيم، عبر تزويدها بشبكات المياه، والصرف الصحي، والكهرباء، وبناء كنس ومدارس دينية ونوادٍ ومبانٍ عامة، في خطوة تكشف بوضوح أن الاحتلال لا يسعى فقط لفرض أمر واقع، بل لتوطين آلاف العائلات الجديدة في قلب الضفة، وتعزيز الوجود اليهودي على حساب السكان الأصليين.

وتعكس هذه الأرقام حجم التمويل السياسي والعقائدي لاستكمال نهب الأرض وتحويلها إلى “جزر استعمارية محصنة”، بينما يُحرم الفلسطينيون من البناء في مناطقهم أو حتى ترميم منازلهم دون تهديد بالهدم.

نقل قواعد عسكرية.. عسكرة التوسع الاستيطاني

أخطر ما كشفه تقرير “يديعوت أحرونوت” هو أن الخطة تشمل نقل ثلاث قواعد عسكرية للاحتلال إلى شمال الضفة، في خطوة ذات أبعاد استراتيجية، تؤكد أن الاحتلال لا يكتفي ببناء مستوطنات مدنية، بل يرفقها ببنية عسكرية ضخمة لتحصين المشروع الاستعماري.

هذه العسكرة ليست مجرد تدبير أمني، بل جزء من عملية هندسة كاملة لفرض سيادة إسرائيلية على الضفة وحرمان الفلسطينيين من أي قدرة مستقبلية على إقامة دولة متصلة وقابلة للحياة.

“مستودعات استيعاب”… هندسة ديمغرافية لتغيير الواقع السكاني

الخطة تشمل أيضاً بناء “مستودعات استيعاب” في المستوطنات الجديدة تضم نحو 20 كرفاناً لتسهيل انتقال عائلات المستوطنين فوراً، قبل بناء وحدات إسكان ثابتة.

هذا النوع من البنى المؤقتة يُستخدم عادة لتسريع السيطرة على الأرض قبل أي تحرك سياسي أو قانوني محتمل، وهو أسلوب اتبعته حكومة نتنياهو سابقاً لإحباط أي محاولات دولية للجم التوسع الاستيطاني.

ميزانيات إضافية لحماية المستوطنين.. شرعنة الإجرام وتوجيهه

الخطة خصصت أيضاً:

  • 140 مليون شيكل لتعزيز حواجز الطرق العسكرية. 
  • 150 مليون شيكل لحماية حافلات المستوطنين خلال 3 سنوات (بزيادة كبيرة عن الميزانيات السابقة). 
  • 300 مليون شيكل للمجالس المحلية الاستيطانية لدعم المشاريع والخدمات. 

هذه الأرقام تكشف بوضوح أن الاحتلال يعامل المستوطنات باعتبارها كيانات فوق القانون تحظى بحماية عسكرية دائمة وتمويل مفتوح، بينما تُسحق القرى الفلسطينية المجاورة تحت الحصار والإغلاق ومنع التوسع العمراني.

في الواقع، تصاعدت في العامين الأخيرين اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين بنسبة قياسية، تشمل حرق منازل ومزارع، نصب حواجز، طرد عائلات من أراضيها، وفرض “نظام ترويع” برعاية الجيش.

الخطة الجديدة تُعد “شرعنة رسمية” لهذا الإجرام، لأنها تمنح المستوطنين بنى تحتية عسكرية ومدنية مكافئة لتلك الموجودة داخل الخط الأخضر.

“الطابو الاستيطاني”: السيطرة القانونية على الضفة بحلول 2030

واحدة من أخطر أذرع الخطة هي تخصيص 225 مليون شيكل لإنشاء وحدة “الطابو” الإسرائيلية الخاصة بالضفة، بهدف تسجيل 60 ألف دونم باسم الاحتلال بحلول عام 2030.

هذا يعني عملياً نقل الملكية القانونية للأراضي من الإدارة المدنية (الطابو الأردني) إلى النظام الإسرائيلي، وهو ما يشكل عملية ضم قانوني مقنّع رغم الادعاء الرسمي بأنها “إجراءات تنظيمية”.

بهذه الخطوة، تتحول الأراضي المصادرة إلى ملكية إسرائيلية محمية قانونياً، ما يعني استحالة ازالتها حتى في حال تغيرت الظروف السياسية، ليصبح الوجود الاستيطاني جزءاً من “النسيج القانوني” للدولة المحتلة.

خلاصة: مشروع استعماري مكتمل الأركان

الخطة الاستيطانية الضخمة التي كشفت عنها حكومة الاحتلال ليست مجرد توسعات جديدة، بل هي برنامج ضم شامل للضفة الغربية:

  • تغيير ديمغرافي ممنهج 
  • عسكرة الأرض والمستوطنات 
  • شرعنة البؤر العشوائية 
  • عملية نهب قانوني للأراضي 
  • تمويل ضخم لتعزيز حضور المستوطنين وتمكينهم 

والأخطر أنها تأتي في ظل صمت دولي، وانشغال العالم بحروب أخرى، ما يمنح الاحتلال فرصة لتطبيق أخطر مشاريع الضم منذ اتفاقيات أوسلو.

إنه مشروع يقوم على إجرام سياسي واستعماري منظم، يستهدف محو الوجود الفلسطيني وتحويل الضفة إلى كانتونات محاصرة، ضمن نظام فصل عنصري مكتمل الأركان.

اقرأ أيضا : انهيار غير مسبوق في مخزون الدواء بغزة وأزمة غاز الطهي تتفاقم وسط حصار خانق