أعلن مكتب رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي رسميًا أن جيش الاحتلال تمكن من استعادة جثتي الأسيرين عيدان شاتفي وإيلان فايس من داخل قطاع غزة، بعد عملية وُصفت بأنها “خاصة ومعقدة”.
وبحسب بيان الاحتلال، فقد جرى التعرف على جثة شاتفي في معهد الطب الشرعي، وأكدت القناة 12 أن المعلومات التي قادت إلى العملية جاءت نتيجة تحقيقات أجراها جهاز “الشاباك” مع أسرى من حركة “حماس”.
اللافت في الإعلان أن الجيش سارع إلى توظيف العملية كنجاح أمني واستخباراتي، رغم أن الجثث المستعادة لا تعني بالضرورة نجاحًا استراتيجيًا في ظل استمرار احتجاز عشرات الأسرى الآخرين.
فالمؤسسة العسكرية والسياسية تحاول عبر هذه الأخبار رفع الروح المعنوية للرأي العام الإسرائيلي، خصوصًا مع تزايد الانتقادات الداخلية لنتنياهو وحكومته على فشلهم في استعادة الأسرى الأحياء طوال ما يقارب عامين من القتال.

أبعاد العملية الخاصة ورسائلها
بحسب المصادر الإسرائيلية، نفذت القوات الخاصة في القيادة الجنوبية، بالتنسيق مع المخابرات العسكرية والشاباك، عملية ميدانية استغرقت وقتًا طويلاً للتحقق من دقة المعلومات، وهو ما يعكس أن العملية كانت أكثر استخبارية منها ميدانية.
الإعلان عن “التعاون الوثيق” بين الأذرع الأمنية يهدف لإظهار تكامل أجهزة الاحتلال، لكنه في المقابل يفضح اعتماد الجيش على المعلومات الناتجة عن الاعتقالات الواسعة والتعذيب للمعتقلين الفلسطينيين، إذ أن الاعترافات القسرية كانت أساس الوصول للجثث.
هذا البُعد يحمل دلالة أخرى: الاحتلال يفتقر للمعلومات الميدانية المباشرة داخل غزة بعد انهيار منظومته الأمنية والاستخبارية إثر “طوفان الأقصى”، ما يضطره للاعتماد على التحقيقات مع الأسرى أو التكنولوجيا الجوية، الأمر الذي يضعف رواية “السيطرة الأمنية الكاملة” التي يحاول الترويج لها.
الاحتلال بين ضغط الشارع وملف الأسرى
الإعلان عن استعادة الجثتين يأتي في سياق أوسع يتمثل في الضغط الشعبي الإسرائيلي المتزايد لاستعادة الأسرى. عائلات الأسرى الأحياء نظمت خلال الأشهر الماضية عشرات الوقفات والمسيرات في تل أبيب والقدس، متهمة الحكومة بإهمال ملف أبنائها، بينما يركز نتنياهو على استمرار الحرب في غزة لأهداف سياسية داخلية.
من جهة أخرى، لا يزال الاحتلال يعترف بوجود 48 أسيرًا بين أحياء وأموات في قبضة المقاومة منذ 694 يومًا، وهو رقم يعكس فشلًا ذريعًا في تحقيق أي تقدم ملموس رغم الخسائر البشرية والمادية الهائلة. استعادة جثتين فقط بعد قرابة عامين من الحرب لا يمكن أن يُسوّق كإنجاز حقيقي، بل يعزز رواية المقاومة حول عجز الاحتلال عن إعادة أسراه بالقوة.
خطاب المقاومة وردودها
على الجانب الآخر، جاء رد الناطق باسم كتائب القسام أبو عبيدة محمّلًا برسائل مباشرة، إذ أكد أن محاولات الاحتلال “ستكون وبالاً عليه”، وأن المقاومين في حالة استنفار وجهوزية. وذهب أبعد من ذلك باتهام نتنياهو بالسعي المتعمد لتقليص عدد الأسرى الأحياء، عبر القصف العشوائي والمجازر، في محاولة للتخلص من عبء التبادل مستقبلاً.
هذا الخطاب يهدف إلى تثبيت رواية المقاومة بأنها لا تزال صاحبة اليد العليا في ملف الأسرى، وأن الاحتلال مهما نفذ من عمليات لن يتمكن من إعادة الأسرى الأحياء دون صفقة تبادل شاملة. كما يحمل بعدًا نفسيًا، فالتأكيد على أن الجثث قد تختفي “إلى الأبد” يمثل ضغطًا هائلًا على عائلات الجنود الإسرائيليين.
البعد الإنساني والإعلامي
في الوقت الذي تحاول فيه إسرائيل تسويق استعادة الجثتين كنجاح، تبدو الصورة على الأرض أكثر قتامة. فإعادة الجثث تعني أن الاحتلال فشل في إنقاذ جنوده أحياء، وأنهم لقوا حتفهم تحت ظروف الأسر أو القتال. الإعلام الإسرائيلي، خصوصًا القناة 12، ركز على السرد الشخصي لعيدان شاتفي باعتباره طالبًا جامعيًا ومصورًا هاويًا، في محاولة لبناء تعاطف شعبي، لكن هذا التعاطف قد ينقلب سريعًا إلى غضب على الحكومة مع استمرار عجزها عن إنقاذ البقية.
من زاوية أخرى، تسعى المقاومة عبر إعلامها إلى ترسيخ صورة الاحتلال كـ”عاجز ومهزوم”، معتبرة أن كل جثة يعود بها جيش الاحتلال بعد شهور من البحث ليست إلا دليلاً على فشله.
خلاصة المشهد
إعلان الاحتلال عن استعادة جثتي شاتفي وفايس ليس سوى حلقة جديدة في معركة الحرب النفسية بينه وبين المقاومة. صحيح أن العملية عكست قدرة استخباراتية في جمع المعلومات الميدانية وتنفيذ اقتحام محدود، لكنها في الوقت نفسه كشفت هشاشة المنظومة الأمنية، وفشل الحكومة في التعامل مع ملف الأسرى الأحياء.
بالنسبة للمقاومة، فإن الحدث يمثل فرصة لتعزيز روايتها حول “الفشل الإسرائيلي” ونجاحها في الاحتفاظ بأسرى أحياء رغم شراسة الحرب. أما على الصعيد السياسي الداخلي في إسرائيل، فإن الإعلان لن يخفف من ضغط عائلات الأسرى، بل قد يضاعف التساؤلات حول جدوى استمرار الحرب، وما إذا كانت القيادة السياسية تسعى حقًا لإعادة أبنائهم، أم أنها تضحّي بهم من أجل بقاء نتنياهو في الحكم.
اقرأ أيضًا : براعة المقاومة تصطاد الاحتلال في “كمائن الزيتون”