لم يكن مساء السبت عاديًا في حي الزيتون بمدينة غزة، حيث تحولت أزقة الحي الضيقة وشوارعه المدمرة إلى مسرح لمعارك شرسة، كشفت من جديد عن براعة المقاومة الفلسطينية في استنزاف جيش الاحتلال الإسرائيلي عبر تكتيكات متقنة تشبه “صيد البط”، وفق الوصف الذي استخدمته منصة الأخبار العبرية “حدشوت بزمان”. 

هذا الوصف لم يأتِ من فراغ، بل جاء بعد أنباء عن فقدان 4 جنود إسرائيليين ومقتل وجرح أكثر من عشرة آخرين، وسط صمت رسمي إسرائيلي فرضته الرقابة العسكرية.

 

ثلاث كمائن متزامنة.. مقاومة تنسج الفخاخ

الأحداث بدأت عندما تعرضت قوة من لواء “الناحال” لكمين في حي الزيتون، أسفر عن مقتل جندي وإصابة آخرين. ولم يكد الجيش يستوعب الضربة حتى اندلعت اشتباكات أخرى في حي الصبرة المجاور، دفعت سلاح الجو الإسرائيلي إلى التدخل بالمروحيات لتمهيد الطريق أمام القوات المنسحبة. أما الكمين الثالث، فكان الأعقد والأكثر خطورة، حيث استمرت الاشتباكات في عمق حي الزيتون وسط محاولات المقاومة أسر جنود، بالتزامن مع إطلاق قذائف هاون أعاقت وصول فرق الإنقاذ.

التزامن بين هذه الكمائن لم يكن محض صدفة، بل إشارة واضحة إلى أن المقاومة تدير معاركها وفق خطط تكتيكية متقنة. فبينما كانت وحدات الاحتلال تحاول فك الحصار عن إحدى نقاط الاشتباك، كانت المقاومة تفتح جبهة أخرى، ما أربك القيادة العسكرية وأفقدها زمام المبادرة. هذا الأسلوب، الذي يدمج بين الكمائن الكلاسيكية وحرب العصابات الحضرية، جعل الجنود أهدافًا سهلة، وهو ما دفع بعض المحللين الإسرائيليين إلى وصف ما جرى بـ”الكارثة الميدانية”.

بروتوكول “هانيبال”.. الجنود وقود لسياسة نتنياهو

أمام تعقد الموقف الميداني، ذكرت تقارير عبرية أن جيش الاحتلال اضطر لتفعيل بروتوكول “هانيبال”، وهو الإجراء السري الذي يجيز للقوات استخدام نيران كثيفة حتى لو عرّض حياة الجنود للخطر، بهدف منع وقوعهم في الأسر. هذه السياسة، التي طالما أثارت الجدل داخل إسرائيل، تعكس مأزقًا أخلاقيًا عميقًا: فالحكومة التي تدّعي حرصها على استعادة الأسرى هي ذاتها التي تسمح بقتلهم لمنع انتقالهم أحياء إلى أيدي المقاومة.

الانتقادات لم تتأخر، إذ هاجمت منصات عبرية الحكومة واعتبرت أن بنيامين نتنياهو “عاجز عن حماية جنوده”، وأن سياساته المتهورة تجر الجيش إلى فخاخ متكررة. وأشارت “حدشوت بزمان” إلى أن كشف الحكومة لتحركات الجيش مسبقًا ترك الجنود عرضة لكمائن مدروسة، فيما ذهب آخرون إلى القول إن إسرائيل باتت “تكرر الأخطاء ذاتها” منذ بداية معركة “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023.

القسام: “الموت أو الأسر”

قبل ساعات من الكمين، كان أبو عبيدة، الناطق باسم كتائب القسام، قد أطلق تهديدًا مباشرًا قال فيه إن “خطط العدو باحتلال غزة ستكون وبالًا عليه، وسيُدفع ثمنها دمًا من جنوده”. وأكد أن المقاومة في حالة استنفار وجهوزية عالية، وأن فرص أسر جنود جدد تتزايد. هذه التصريحات، التي بدت للبعض مجرد دعاية حربية، تحولت إلى واقع ملموس في الزيتون، حيث تصاعدت احتمالات وقوع جنود في الأسر، خصوصًا مع فقدان الاتصال بأربعة منهم حتى الآن.

ولم يكتف القسام بالتصريحات، بل نشر صورة تحمل عبارة “نذكر من ينسى.. الموت أو الأسر”، في رسالة نفسية موجهة للداخل الإسرائيلي، مفادها أن خيار الجنود بات بين القتل أو الوقوع في الأسر، وهو ما يعمّق المخاوف لدى عائلاتهم ويضع القيادة في مأزق تفاوضي إضافي.

الزيتون.. فخ ميداني متجدد

حي الزيتون ليس ساحة جديدة في معارك غزة. فمنذ سنوات، يُصنَّف الحي داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية كـ”منطقة حمراء”، بسبب طبيعة تضاريسه المعقدة وكثافة الأبنية والأنفاق الممتدة تحته. ففي مايو 2024، فقد جيش الاحتلال أربعة جنود من لواء الناحال بعد انفجار عبوة ناسفة خلال مداهمة مدرسة في الحي. وتكرر المشهد مرارًا، حيث تتحول العمليات البرية فيه إلى سلسلة من الخسائر البشرية والمادية.

المحللون العسكريون الإسرائيليون يدركون أن المقاومة تستثمر معرفة دقيقة بجغرافيا الزيتون، وتستخدم شبكة الأنفاق كأداة فعالة لإعادة الانتشار وتوجيه ضربات مباغتة. وهذا ما يجعل أي دخول بري إلى الحي مغامرة محفوفة بالمخاطر، تُذكّر الاحتلال دومًا بأن السيطرة على الأرض لا تتحقق بالقوة الجوية وحدها.

دلالات استراتيجية.. ورسائل أبعد من الميدان

ما جرى في الزيتون ليس مجرد حادث ميداني، بل مؤشر على استراتيجية المقاومة في استنزاف جيش الاحتلال عبر “حرب الاستنزاف الطويلة”. فبدلًا من المواجهة المباشرة، تعمد المقاومة إلى جرّ الجيش إلى بيئة حضرية خانقة، حيث تتحول الدبابات إلى أهداف سهلة، وتصبح وحدات المشاة معزولة عن الإسناد الجوي.

كما أن تزامن الكمائن يحمل رسالة سياسية: فالمقاومة تؤكد أنها لا تزال تملك زمام المبادرة رغم محاولات الاحتلال فرض واقع جديد في غزة. وهي بذلك لا تضرب فقط الجنود، بل تضرب أيضًا صورة الجيش الإسرائيلي التي اهتزت بشدة داخليًا وخارجيًا منذ 7 أكتوبر.

خاتمة: الزيتون.. درس متجدد في براعة المقاومة

في المحصلة، تكشف “كمائن الزيتون” أن المقاومة الفلسطينية لا تزال قادرة على ابتكار أساليب ميدانية تفاجئ جيش الاحتلال وتربكه. ومع كل كمين جديد، يتأكد أن غزة ليست أرضًا يمكن احتلالها بسهولة، بل ساحة معارك مفتوحة تستنزف الجنود وتعيد إنتاج معادلات القوة. وإذا كان الاحتلال يفاخر بتفعيل بروتوكولات سرية لحماية نفسه، فإن الواقع على الأرض يقول إن هذه البروتوكولات لم تمنع وقوع خسائر فادحة، ولم تحمِ الجنود من التحول إلى “بط صيد” في كمائن المقاومة.

اقرأ أيضا : الرأي العام الأمريكي ينقلب: نصف الناخبين يعتبرون ما يجري في غزة “إبادة جماعية”