أحمد محمد أحمد
في مشهد يذكّر بخطط سايكس–بيكو وأحلام “الشرق الأوسط الجديد”، نشر الكاتب الإسرائيلي جيسون شفيلي مقالًا في صحيفة يسرائيل هيوم يدعو فيه صراحة إلى تفكيك الدولة السورية وتحويلها إلى خمس دويلات عرقية وطائفية مستقلة، في خطوة تعبّر عن ذهنية استعمارية قديمة متجدّدة، تسعى لإعادة رسم حدود المنطقة بما يخدم مصالح الاحتلال وحلفائه الغربيين.
دعوة تحت غطاء “الواقعية السياسية”
يرى شفيلي –الذي يعيش في مدينة تورنتو الكندية– أن سوريا “لم تنجح يومًا ولن تنجح أبدًا كدولة موحدة”، مدّعيًا أن استمرارها بصيغتها الحالية هو “مصدر دائم للفوضى والعنف”. ويزعم أن الحل الوحيد لإنهاء عقود الحرب والدمار هو تقسيم البلاد إلى خمس كيانات مستقلة: دولة علوية في الساحل، ودولة كردية في الشمال الشرقي، ودولة درزية في الجنوب، وأخرى للمسيحيين في وادي النصارى، إلى جانب دولة عربية سنية في بقية المناطق.
ويعتبر شفيلي أن هذا التقسيم يمثل “تصحيحًا لخطأ تاريخي” ارتكبته القوى الاستعمارية عقب الحرب العالمية الأولى، حين رسمت –على حد قوله– حدودًا “اعتباطية” لم تراعِ التنوّع العرقي والطائفي في المنطقة. لكنه يتغافل عن أن تلك القوى نفسها هي التي صنعت الخرائط لتقسيم المنطقة وإضعافها، وأن دعوته الحالية ليست سوى إعادة تدوير لتلك السياسة القديمة بلسان جديد.
ذرائع “الحق في تقرير المصير”.. وغطاء لتفكيك المنطقة
يرتكز الكاتب الإسرائيلي في مقاله على ما يسميه “حق المكونات المحلية في تقرير مصيرها”، متجاهلًا أن تلك المكونات عاشت قرونًا ضمن دولة واحدة قبل التدخلات الخارجية، وأن ما قاد إلى الصراع لم يكن التنوع ذاته، بل استغلال هذا التنوع من قِبل القوى الكبرى لتفجير الانقسامات.
فالدعوة إلى “الدويلات الخمس” ليست بريئة، بل تحمل في جوهرها تصورًا استعماريًا واضحًا: تحويل المشرق العربي إلى فسيفساء من الكيانات الضعيفة، يسهل على الاحتلال الإسرائيلي التعامل معها أو السيطرة عليها.
الأخطر في طرح شفيلي أنه يحدّد رعاة لكل كيان:
- الدولة السنية بدعم من تركيا وبعض الدول العربية،
- الدولة العلوية بحماية روسية،
-
الدروز والمسيحيون بدعم مباشر من إسرائيل.
وهذه التقسيمات الطائفية –بمضامينها السياسية– تشكّل مشروعًا موازٍ لـ”صفقة القرن” و”اتفاقات إبراهام”، إذ تسعى إسرائيل لتطبيع وجودها في الإقليم عبر فرض واقع جغرافي جديد يجعلها الكيان الأكثر استقرارًا والأقوى اقتصاديًا وعسكريًا وسط دويلات منهكة.
من دمشق إلى درعا.. سوريا هدف التقسيم منذ البداية
منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، ظهرت عشرات التحليلات الغربية والإسرائيلية التي تنبأت أو تمنت تفكك سوريا. وقد رُصدت خرائط في مراكز أبحاث أمريكية وإسرائيلية –مثل “مركز بيغن السادات” و“راند” و“بروكينغز”– تتحدث عن تقسيم البلاد إلى “كانتونات” طائفية، بحجة الحفاظ على الاستقرار.
لكن الواقع أظهر أن من غذّى الحرب الطائفية هو التدخل الخارجي، وأن مشاريع التقسيم كانت حاضرة في الكواليس منذ السنوات الأولى للأزمة، حيث دعمت قوى مختلفة ميليشيات محلية متنازعة لتبرير الحاجة إلى “حلول فيدرالية”.
ويأتي مقال شفيلي الآن ليعكس عودة صريحة للخطاب الإسرائيلي القديم القائم على مبدأ “التفتيت لضمان التفوق”. فمنذ الثمانينيات، روج باحثون إسرائيليون –أبرزهم عوديد ينون– لفكرة تقسيم الدول العربية الكبرى إلى وحدات صغيرة متنازعة، معتبرين أن “ضعف الجيران هو سر بقاء إسرائيل”. واليوم، يعاد تسويق تلك الفكرة تحت غطاء التحليل الأكاديمي أو “الرؤية الواقعية”.
مخاطر الفكرة وفضح النوايا
ما يطرحه الكاتب ليس مجرد رأي صحفي، بل يعكس رؤية أيديولوجية إسرائيلية متجذرة في مراكز القرار، ترى أن سوريا الموحدة تشكّل تهديدًا دائمًا لتفوق إسرائيل الإقليمي. فبلد بموقع سوريا الجغرافي، وبتاريخها العسكري والسياسي، لا يمكن السماح له –وفق العقلية الإسرائيلية– بأن يستعيد عافيته أو دوره الإقليمي.
ولهذا، تروّج بعض الأوساط الفكرية والإعلامية الإسرائيلية إلى أن التقسيم سيجلب “الاستقرار”، بينما المقصود الحقيقي هو تحويل سوريا إلى منطقة عازلة محايدة وضعيفة، تتيح لإسرائيل تعزيز نفوذها في الجولان المحتل، وتوسيع ارتباطها الجغرافي والاقتصادي مع الأردن والعراق شمالاً والخليج شرقًا.
كما أن دعوته لدعم مباشر من إسرائيل لمناطق الأقليات –خصوصًا المسيحية والدروز– يحمل رسالة خطيرة عن سعي الاحتلال للتغلغل في النسيج السوري الداخلي، عبر استثمار الخطاب الطائفي والادعاء بحماية الأقليات، وهو تكتيك استخدمته تل أبيب تاريخيًا لتبرير تدخلاتها في لبنان وجنوب سوريا.
الاحتلال لا يريد الاستقرار بل التفتيت
المفارقة أن الكاتب نفسه يعترف بأن تنفيذ هذا السيناريو يتطلب دعمًا خارجيًا وضمانات للبقاء، ما يكشف عن استحالة قيام أي من هذه الدويلات دون وصاية أجنبية، أي العودة إلى نظام الانتداب بأسماء جديدة.
وهكذا يتحول التقسيم من “حل للأزمة” إلى تثبيت للأزمات الدائمة، عبر تحويل الصراعات الداخلية إلى نزاعات حدودية بين كيانات ضعيفة، تدور جميعها في فلك القوى الكبرى.
وفي النهاية، يمكن القول إن دعوة جيسون شفيلي ليست إلا جزءًا من مشروع أوسع لإعادة هندسة المنطقة سياسيًا وديموغرافيًا، على نحو يضمن أمن إسرائيل وتفوقها لعقود قادمة.
لكن ما يتجاهله هو أن محاولات التقسيم فشلت في الماضي، وأن الذاكرة السورية والعربية لا تزال تحتفظ بمرارة التقسيمات القديمة، وأن الشعوب –مهما ضعفت– لن تقبل بإلغاء وجودها الوطني.
خاتمة:
دعوات كهذه لا يمكن فصلها عن سياق الاحتلال الذي لم يكتفِ باغتصاب فلسطين، بل يسعى اليوم لإعادة رسم المنطقة على مقاسه. فمشروع التفتيت، أياً كان غطاؤه، يبقى وجهاً جديداً من وجوه الاستعمار الصهيوني، الذي يخشى من عودة سوريا قوية وموحدة قادرة على كسر توازنات القوة التي فرضها بالسلاح.
اقرأ أيضًا : سرقة مقنّنة: الاحتلال يوزّع 7.5 ملايين دولار من أموال الفلسطينيين على عائلاته