في خطوة جديدة تكشف حجم السطو المنظّم الذي تمارسه إسرائيل على الحقوق المالية للشعب الفلسطيني، كشفت صحيفة معاريف العبرية، اليوم الأحد، أن سلطات الاحتلال وزّعت نحو 7.54 ملايين دولار من أموال الضرائب الفلسطينية، المعروفة بأموال المقاصة، على 41 عائلة إسرائيلية زعمت أن أفرادها قُتلوا في عمليات نفذها فلسطينيون خلال السنوات الماضية.

وأوضحت الصحيفة أن “مكتب التنفيذ في القدس” حوّل المبالغ إلى محامي تلك العائلات، استنادًا إلى حجوزات فُرضت على أموال السلطة الفلسطينية في وزارة المالية الإسرائيلية، بزعم تنفيذ أحكام قضائية صادرة لصالح المتضررين من “الهجمات الفلسطينية”. وبهذا التحويل، تكون إسرائيل قد فعّلت عمليًا واحدة من أكثر أدوات العقاب الجماعي خطورة، عبر نهب الأموال العامة الفلسطينية لتعويض عائلات جنودها ومستوطنيها، في سابقة تُعد سرقة دولة مشرعنة بالقانون الإسرائيلي نفسه.

المقاصة.. أداة خنق مالي ممنهج

تعد أموال المقاصة المصدر الأساسي لدخل السلطة الفلسطينية، إذ تمثل ما يقرب من ثلثي الإيرادات العامة وفق تقرير للبنك الدولي، وتُجمع من الضرائب المفروضة على الواردات الفلسطينية التي تمر عبر المعابر الإسرائيلية. غير أن تل أبيب حولت هذا النظام المالي إلى وسيلة ابتزاز سياسي واقتصادي، عبر الاقتطاعات غير القانونية المتكررة تحت ذرائع “تمويل الإرهاب” أو “تعويض الضحايا”.

ووفق ما أوردته معاريف، فقد بلغت القيمة الإجمالية للأموال المحتجزة في هذا الملف 20.4 مليون دولار، بينها المبلغ الأخير الذي تم توزيعه مؤخرًا. وقد بدأ تحريك القضية عام 2019 عندما أصدرت محكمة القدس المركزية حكمًا ضد السلطة الفلسطينية لصالح 41 عائلة إسرائيلية. ومنذ ذلك الحين، توسعت الحكومة الإسرائيلية في استخدام هذه السوابق لتبرير اقتطاعات جديدة، حتى باتت السلطة تتسلم 30 إلى 35% فقط من الأموال المستحقة لها منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، عقب اندلاع الإبادة في غزة.

نتيجة لهذه الاقتطاعات، تعاني السلطة أزمة مالية خانقة جعلتها عاجزة عن دفع رواتب موظفيها كاملة؛ إذ لم تصرف سوى 60% من الرواتب في يوليو الماضي بعد توقف دام ثلاثة أشهر، في وقت تتصاعد فيه الأوضاع المعيشية سوءًا في الضفة الغربية وقطاع غزة المحاصر.

الاحتلال يشرعن الجريمة بغطاء قضائي

اللافت أن عملية نهب الأموال الفلسطينية هذه تأتي بغطاء “قانوني” من مؤسسات الاحتلال، إذ يتولى “مكتب التنفيذ والجباية” في وزارة العدل الإسرائيلية جمع المبالغ وتنفيذ أحكام المحاكم ضد الفلسطينيين أو السلطة ذاتها، بزعم أن الأخيرة “تدفع رواتب لمنفذي العمليات”. بهذا الشكل، يُعاد تدوير الرواية الإسرائيلية القديمة التي تساوي بين دعم أسر الشهداء والأسرى وبين “تمويل الإرهاب”، لتبرير احتجاز الأموال وتحويلها لصالح مستوطنين أو جنود قتلوا خلال اعتداءاتهم على الفلسطينيين.

ويؤكد مراقبون أن إسرائيل تستخدم هذه الآلية ليس فقط لمعاقبة السلطة، بل أيضًا لنسف بنيتها المالية والإدارية ودفعها نحو الانهيار، بما يخدم مخططها لإحلال إدارة أمنية بديلة تشرف عليها أجهزة الاحتلال مباشرة في مدن الضفة الغربية. ويتوازى ذلك مع تحريض سياسي متواصل يقوده مسؤولون كبار، أبرزهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، اللذان يصفان السلطة بأنها “إرهابية” ويطالبان بـ”سحقها” بالكامل.

سرقة وسط الدم والنار

تأتي هذه التطورات في ذروة حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة منذ عامين تقريبًا، والتي خلفت بحسب وزارة الصحة الفلسطينية أكثر من 67 ألف شهيد و169 ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء، فضلًا عن مجاعة أودت بحياة 459 فلسطينيًا بينهم 154 طفلًا. وفي الضفة الغربية، تتوازى عمليات النهب المالي مع تصعيد ميداني دموي، حيث أسفرت اعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنين عن استشهاد أكثر من ألف فلسطيني واعتقال نحو 19 ألفًا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وبينما تصادر إسرائيل الأراضي وتقتحم المدن وتعتقل المدنيين، تمارس أيضًا السطو المالي المنهجي على الموارد الفلسطينية، في استمرار لسياسة استعمارية لا تكتفي باحتلال الأرض، بل تسعى كذلك إلى تجفيف مقومات الحياة وتجريد الفلسطينيين من أي قدرة على الصمود أو الاستقلال الاقتصادي.

المجتمع الدولي يلتزم الصمت

رغم وضوح الطابع غير القانوني لهذه الممارسات، يلتزم المجتمع الدولي صمتًا مطبقًا، مكتفيًا بتقارير شكلية عن “القلق” من الأوضاع الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية. فوفق اتفاق باريس الاقتصادي الموقع عام 1994، لا يحق لإسرائيل التصرف في أموال المقاصة إلا بعد تحويلها بالكامل إلى السلطة الفلسطينية، لكن هذا الالتزام تحول إلى حبر على ورق في ظل غياب أي مساءلة أو عقوبات دولية.

ويرى خبراء اقتصاديون أن إسرائيل تمارس “نهبًا مقننًا” يندرج ضمن جرائم الحرب، لأن مصادرة أموال الشعوب المحتلة لا تختلف عن مصادرة أراضيها، وأن استمرار هذا الصمت الدولي يشجع تل أبيب على تحويل هذا النهب إلى سياسة دائمة، تُستخدم كورقة ضغط سياسية واقتصادية في وجه أي تحرك فلسطيني نحو الاستقلال.

نهب متواصل تحت الاحتلال

إن تحويل أموال الفلسطينيين إلى تعويضات لعائلات إسرائيلية يكشف الوجه الحقيقي للاحتلال الذي لا يكتفي بقتل الفلسطينيين وتشريدهم، بل يسلبهم حتى أموالهم التي يجبيها باسمهم. وبينما تُترك المستشفيات في غزة بلا كهرباء والموظفون في الضفة بلا رواتب، تُغدق الملايين على مستوطنين يعيشون فوق الأرض المسروقة ذاتها. إنها سياسة ممنهجة تُظهر أن إسرائيل لم تعد دولة احتلال فحسب، بل نظام نهب منظم يتغذى على دماء الفلسطينيين وعرقهم ولقمة عيشهم، في ظل غياب رادع دولي حقيقي يضع حدًا لهذا الإجرام المالي والسياسي.

اقرأ أيضًا : نتنياهو يستهتر بالوسطاء ويشن قصف عنيف على قطاع غزة