في تصعيد جديد لحربها المفتوحة على الشعب الفلسطيني، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، خلال الساعات الماضية، مدنًا ومخيمات في الضفة الغربية المحتلة، أبرزها مدينة نابلس ومخيمي طولكرم ونور شمس، في سياق عملية عسكرية متواصلة منذ ثلاثة أشهر.
وقد أسفرت الحملة عن تهجير آلاف العائلات الفلسطينية، وسقوط شهداء وجرحى، فضلًا عن اعتداءات متكررة من قبل المستوطنين، تتم بدعم مباشر من جيش الاحتلال، بينما تواصل السلطة الفلسطينية التزام الصمت، ما يُعد خيانةً فادحة للتزاماتها الوطنية.
جرائم حرب على مرأى العالم
وفق مصادر محلية، اقتحمت قوات الاحتلال مخيم طولكرم وواصلت عمليات تجريف الشوارع وإغلاق المداخل، في خطوات يبدو واضحًا أنها تهدف إلى فرض واقع أمني جديد يضيق على سكان المخيم ويقوض حياتهم اليومية.
أما في مخيم نور شمس، فقد أجبرت قوات الاحتلال نحو 10 عائلات من جبل النصر على إخلاء منازلها، في مشهد يكرّس سياسة التطهير العرقي، ويعيد إلى الأذهان نكبة عام 1948.
وبحسب تقديرات فلسطينية، فإن عدد العائلات التي نزحت من المخيمين خلال الأشهر الثلاثة الماضية تجاوز 4 آلاف عائلة، وهو رقم مخيف يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي تُفرض على الفلسطينيين في شمال الضفة، تحت غطاء أمني زائف وروابط أمنية بين السلطة والاحتلال.
العملية العسكرية الإسرائيلية في المخيمين أوقعت حتى الآن 13 شهيدًا، بينهم طفل وامرأتان، إحداهما حامل في شهرها الثامن، في حين أصيب عشرات آخرون، واعتُقل المئات. ومع غياب أي ملاحقة دولية أو موقف حازم من المؤسسات الأممية، تبدو إسرائيل مطلقة اليد في تنفيذ مخططاتها الاحتلالية.
نابلس والخليل.. عسكرة كاملة وخراب اقتصادي
في مدينة نابلس، اقتحمت قوات الاحتلال مناطق متفرقة ضمن ما وصفتها بعمليات “أمنية موسعة”، غير أن النتائج الميدانية تكشف عن أهداف أخرى، منها ترهيب السكان وشلّ حركة الحياة، تمهيدًا لفرض واقع جديد يعزز من سيطرة الاحتلال.
في بلدة إذنا غرب الخليل، قامت قوات الاحتلال بإغلاق مداخل البلدة من الجهتين الشمالية والجنوبية، وأطلقت الرصاص الحي وقنابل الغاز بكثافة، ما أدى إلى حالات اختناق بين المواطنين. كما أجبرت أصحاب المحال التجارية على إغلاق أبوابهم، ما يشير إلى سياسة “العقاب الجماعي” التي تستخدمها سلطات الاحتلال لتركيع السكان الفلسطينيين.
الانتشار المكثف لدوريات الاحتلال في البلدات الفلسطينية وتحويل بعض المنازل إلى ثكنات عسكرية، كما حدث في ترمسعيا، يُظهر أن الاحتلال لا يتعامل مع السكان كمواطنين بل كأهداف مشروعة، ما يرقى إلى جرائم حرب بموجب القانون الدولي الإنساني.
المستوطنون.. ذراع الإرهاب المدني تحت حماية الجيش
لا يختلف الدور الذي يلعبه المستوطنون في الضفة عن دور قوات الاحتلال العسكرية؛ فكلاهما يمارس العنف، لكن بأساليب متفاوتة. فقد جرف المستوطنون أراضي زراعية في قرى أم صفا وسلواد وقريوت وفرخة وياسوف، وهي مناطق لطالما شكلت رئة زراعية مهمة لسكانها.
كما هاجم مستوطنون مركبة فلسطينية في منطقة الخلة، واقتحموا منازل في عدة بلدات، وحوّلوها إلى نقاط مراقبة.
وفي الشيخ جراح بالقدس المحتلة، حطم مستوطنون زجاج حافلة تقل فلسطينيين، بينما سرق آخرون صهريجي مياه في خربة حمصة بمحافظة طوباس، في ممارسات تذكر بجرائم العصابات الصهيونية في سنوات ما قبل النكبة.
الخطير في الأمر أن هذه الاعتداءات لا تأتي عشوائية، بل ضمن سياسة موجهة تهدف إلى تهجير الفلسطينيين قسرًا من أراضيهم، وتوسيع نطاق الاستيطان، بما يتناغم مع الخطة الإسرائيلية لتصفية القضية الفلسطينية بالكامل.
تخاذل السلطة الفلسطينية: شريك في الجريمة
في ظل هذه الانتهاكات الواسعة، يواصل رئيس السلطة محمود عباس وحكومته أداء دور المتفرج، وكأن ما يحدث لا يعنيهم. لا مؤتمرات صحفية، لا تحركات دبلوماسية، لا حتى إدانة لفظية تليق بحجم الكارثة.
تُصر السلطة على التنسيق الأمني مع الاحتلال، متذرعة بـ”الحفاظ على الاستقرار”، في حين أن الاحتلال يحرق الأرض والشجر والبشر. هذا الصمت المريب، بل والتواطؤ، يجعل من السلطة شريكًا ضمنيًا في الجرائم الجارية، وليس مجرد ضحية لاحتلال غاشم.
كيف يمكن تفسير غياب أي تحرك جاد من قبل السلطة لوقف تهجير آلاف العائلات من المخيمات؟ وكيف يمكن تفسير صمتها إزاء استشهاد طفل وامرأتين، إحداهما حامل، دون إصدار بيان واحد يدين الاحتلال أو يدعو إلى مقاومته؟ إن صمتها ليس حيادًا بل خيانة وطنية موثقة.
الاحتلال يصعد والسلطة تتقاعس
بينما ينشغل العالم بالعدوان الإسرائيلي على غزة، حيث خلفت الحرب أكثر من 168 ألف شهيد وجريح، ونحو 11 ألف مفقود، يتكرر السيناريو في الضفة الغربية، بشكل أقل ضجيجًا لكن لا يقل دموية. أكثر من 952 شهيدًا في الضفة منذ أكتوبر، وقرابة 7 آلاف جريح، و16 ألف معتقل.
وما لم يتحرك الفلسطينيون موحدين، ويضعوا حدًا لسلطة عاجزة، فإن الاحتلال سيواصل مشروعه الاستيطاني، وسيغرس أقدامه أكثر فأكثر في أرض لم يجد من يدافع عنها بالحق والقوة معًا.
فما جدوى السلطة إن كانت عاجزة عن حماية أبناء شعبها؟ وهل يعقل أن يقاوم الشعب بالصدور العارية، بينما قيادته تنعم بالحماية في رام الله؟
إن ما يحدث اليوم في طولكرم ونابلس هو فصل جديد من نكبة مستمرة، لن تتوقف إلا إذا قرر الفلسطينيون استعادة قرارهم الوطني من قبضة التنسيق الأمني والارتهان السياسي.
اقرأ أيضًا : بريطانيا تفضح نفسها باحتجاز أكاديمي فلسطيني أمام طفله دون مبرر