في مشهد بات متكرراً في يوميات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي فجر اليوم الاثنين خيامًا تأوي نازحين غرب مدينة خان يونس، جنوبي القطاع، ما أسفر عن استشهاد عدد من المدنيين العزل وإصابة آخرين بجروح متفاوتة، بحسب ما أكده مصدر طبي في مجمع ناصر الطبي.
القصف الذي وقع في ساعة مبكرة من الفجر، لم يكن الأول من نوعه، إذ تواصل قوات الاحتلال منذ أسابيع استهداف مناطق الإيواء التي يلجأ إليها المدنيون هرباً من الموت، لتجدهم آلة الحرب الإسرائيلية في مخادعهم، وتحول خيامهم إلى مقابر جماعية. وتُظهر صور متداولة على المنصات الفلسطينية جثث أطفال ونساء تحت الأنقاض، وسط صرخات ذويهم الذين فروا من قصفٍ سابق ليجدوا أنفسهم مجددًا في مواجهة الموت.
وفي سياق متصل، أكدت مصادر طبية أن حصيلة الشهداء في قطاع غزة خلال الـ24 ساعة الماضية بلغت أكثر من 50 شهيداً، من بينهم 18 مدنياً كانوا في طوابير انتظار الحصول على مساعدات غذائية، في مشهد يلخص الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع المحاصر.

المساعدات تتحول إلى فخاخ موت: إسرائيل تقصف نقاط التوزيع
لم تكتفِ إسرائيل بمنع دخول المساعدات منذ الثاني من مارس/آذار الماضي، بل عمدت إلى استهداف مراكز توزيع المساعدات التي أنشأتها بنفسها، حيث وثّق مراسل الجزيرة استهداف دبابات الاحتلال لمراكز توزيع وسط وجنوب القطاع، ما أدى إلى وقوع شهداء وجرحى. هذه المراكز، التي وُعد الفلسطينيون فيها بالغذاء، أصبحت كمائن موت.
ووفق ما وثقه المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، استُشهد 154 فلسطينياً وأُصيب أكثر من 3500 آخرين، وفُقد 39 منذ افتتاح هذه المراكز في 27 مايو/أيار الماضي. هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن فشل منظومة الإغاثة الإنسانية، بل تكشف بوضوح عن استغلال إسرائيل لحاجة السكان للطعام لتحويلها إلى أداة قتل جماعي.
وفي استمرار لهذه السياسة، استُشهد فلسطينيان وأُصيب نحو 15 آخرين في قصف استهدف منزلاً بحي الكرامة شمال غربي مدينة غزة، إضافة إلى استشهاد مدني آخر في دير البلح إثر قصف مروحي استهدف منزله. هكذا تحوّلت كل رقعة في القطاع إلى هدف، وكل بيت إلى كابوس.
إجرام مستمر وصمت عربي مخزٍ
منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ارتكبت دولة الاحتلال مجازر ممنهجة وصفتها منظمات حقوقية دولية بـ”الإبادة الجماعية”، حيث تجاوز عدد الشهداء والجرحى حاجز الـ187 ألفاً، معظمهم من النساء والأطفال، وسط دمار شامل ونزوح داخلي ومجاعة خانقة، في ظل تقاعس دولي وتواطؤ أمريكي معلن.
لكن الصدمة الكبرى لم تكن في وحشية المحتل، بل في الصمت العربي المتواصل، بل وتواطؤ بعض الأنظمة التي تواصل التنسيق الأمني واللقاءات التطبيعية، وكأن دماء الفلسطينيين لا تعنيهم. لم يصدر أي موقف عربي رسمي جاد أو تحرك ملموس لوقف هذا الإجرام أو حتى تهديد بسحب سفراء أو تجميد علاقات. جامعة الدول العربية بدت كأنها مؤسسة للعلاقات العامة، تصدر بيانات شكلية بينما المجازر تتواصل.
لقد اكتفت حكومات عربية بالصمت، في حين انشغل الشارع العربي بوسائل التواصل التي أصبحت المنبر الوحيد للتعبير عن الغضب الشعبي المكبوت. أما الأنظمة، فبدا وكأنها تستمد بقاءها من صمتها، وتحسب كل صرخة فلسطينية تهديدًا لاستقرارها.
الاحتلال يُكرس سياسة الموت البطيء والتجويع
بمنع إدخال المساعدات الغذائية والدوائية، واستهداف مراكز التوزيع، وتدمير شبكات الكهرباء والمياه، تسعى إسرائيل إلى فرض سياسة “الموت البطيء” على سكان القطاع، وهي سياسة مدروسة تهدف إلى إنهاك المجتمع الفلسطيني جسدياً ونفسياً، ودفعه إلى الانهيار التام.
ولا تقتصر الجرائم على القتل المباشر، بل تشمل أيضًا تدمير منظومة الحياة بالكامل، من مستشفيات ومدارس وبنية تحتية. لقد تحولت غزة إلى مدينة أشباح، لا تصلح للعيش ولا حتى للنجاة، بينما العالم المتحضر يتغنّى بحقوق الإنسان ويغض الطرف عن واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية المعاصرة.
ختامًا: من يسائل القاتل؟ ومن يواسي الضحايا؟
في ظل كل هذا الرعب، تبقى الأسئلة الكبرى بلا إجابة: أين المحكمة الجنائية الدولية؟ أين الضمير العالمي؟ ولماذا تُعطى إسرائيل الضوء الأخضر لارتكاب كل هذا القتل دون محاسبة؟ ولماذا تصمت الحكومات العربية التي يُفترض أن تكون عمق غزة وسندها؟ وأي معنى تبقّى لكلمة “الأمة” إذا كانت جثث الأطفال لا تحرّك فيها ساكناً؟
ما يحدث في غزة ليس فقط إبادة، بل انهيار للمنظومة الأخلاقية العالمية، وصمت العرب لم يعد محرجًا فقط، بل خيانة موثقة، ستُكتب في صفحات التاريخ، جنبًا إلى جنب مع صور خيام الأطفال المحترقة ووجوه الأمهات الثكلى.
اقرأ أيضا : إيران تضرب العمق المحتل: صواريخ نوعية تدمّر مواقع حساسة في تل أبيب وحيفا