في خطوة تعكس عنجهية الاحتلال الإسرائيلي واستعداده لاستخدام سياسات الأمر الواقع كأداة للابتزاز السياسي، كشفت تقارير إعلامية أميركية عن أنّ حكومة بنيامين نتنياهو تدرس ضم أجزاء من الضفة الغربية ردًا على الاعترافات المرتقبة بدولة فلسطين من قبل عدد من الدول الغربية. 

هذا التوجّه، الذي تسرّبت تفاصيله عبر مسؤولين إسرائيليين تحدثوا لشبكة “سي إن إن”، يأتي في ظل تحولات دولية متصاعدة نحو الاعتراف بالحقوق الفلسطينية، وهو ما تعتبره تل أبيب تهديدًا استراتيجيًا لمشروعها الاستيطاني.

الاعترافات الدولية.. صفعة دبلوماسية للاحتلال

خلال اجتماعات الأمم المتحدة المقررة هذا الشهر، يُتوقع أن تعلن كل من فرنسا، أستراليا، كندا، البرتغال، والمملكة المتحدة اعترافها الرسمي بدولة فلسطين، لتنضم بذلك إلى أكثر من 140 دولة اتخذت هذه الخطوة مسبقًا. هذا التطور يمثل ضربة قوية للآلة الدبلوماسية الإسرائيلية التي سعت طيلة عقود لتثبيت صورة فلسطين ككيان غير مكتمل السيادة. بالنسبة لتل أبيب، فإن الاعترافات ليست مجرد مواقف رمزية، بل تهديد فعلي بترسيخ الشرعية الدولية لمطلب الفلسطينيين بإقامة دولة مستقلة على حدود 1967، ما يقوّض أسس المشروع الصهيوني القائم على التوسع والتهويد.

نتنياهو وخيارات الضمّ: بين الرمزي والاستراتيجي

التسريبات تشير إلى أنّ رئيس الوزراء نتنياهو ناقش الأسبوع الماضي مع مقربين منه سيناريوهات الضم المحتملة، وإن لم يُطرح الأمر رسميًا بعد أمام الكابينت الأمني. وتتراوح الخيارات بين الاستيلاء المحدود على مستوطنات بعينها بهدف توجيه رسالة سياسية، وبين سيناريو أكثر خطورة يتمثل في ضمّ المنطقة “ج”، التي تشكّل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة منذ اتفاق أوسلو. هذا الخيار الأخير، إن تم اعتماده، يعني عمليًا القضاء على أي إمكانية واقعية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.

غور الأردن.. ورقة “الأمن” لتسويق الضم

أحد السيناريوهات الأكثر تداولًا في أروقة صنع القرار الإسرائيلي هو ضم غور الأردن، الشريط الحدودي الحيوي الممتد على طول الضفة الشرقية. المسؤولون الإسرائيليون الذين سرّبوا هذه المعلومات أشاروا إلى أنّ هذا الخيار يحظى بتأييد أوسع في الداخل الإسرائيلي، بحجة أنّ المنطقة تمثل “حزامًا أمنيًا” للدولة العبرية. هذا التبرير يهدف إلى تسويق الخطوة دوليًا باعتبارها إجراءً وقائيًا، في حين أنّ حقيقتها تكمن في استكمال مشروع تطويق الفلسطينيين جغرافيًا وتحويل مناطقهم إلى جزر معزولة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية.

موقف واشنطن.. دعم غير مضمون

على الرغم من إطلاع وزير خارجية الاحتلال جدعون ساعر نظيره الأميركي ماركو روبيو على خطط الضم، فإنّ الإدارة الأميركية لم تعطِ الضوء الأخضر بعد. المتحدث باسم الخارجية الأميركية رفض الكشف عن تفاصيل هذه النقاشات، مكتفيًا بالقول إنّ الوزارة لا تفصح عن الحوارات الدبلوماسية الداخلية. هذا الموقف الضبابي يعكس توازنًا دقيقًا تحاول واشنطن الحفاظ عليه: فهي من جهة أكبر داعم لإسرائيل، ومن جهة أخرى تدرك أنّ أي خطوة أحادية بضم الضفة ستُحرجها أمام حلفائها الأوروبيين والعالم الإسلامي، وقد تشعل موجة توترات جديدة في المنطقة.

ردود الفعل الفلسطينية.. تصعيد سياسي مرتقب

في المقابل، من المتوقع أن تواجه أي محاولة ضم بردود فعل فلسطينية حادة. فالسلطة الفلسطينية ترى في الاعترافات الدولية فرصة نادرة لإعادة الزخم لقضية الدولة، وأي تحرك إسرائيلي لنسف هذا المسار سيعتبر إعلان حرب سياسية جديدة. كما أنّ الفصائل المقاومة ستتعامل مع الضم باعتباره استكمالًا لمخطط الإبادة التدريجية بحق الشعب الفلسطيني، ما قد يفتح الباب أمام تصعيد ميداني في الضفة وغزة معًا.

قراءة في العقلية الإسرائيلية: منطق القوة بدل القانون

تدلّ هذه التطورات على أنّ إسرائيل لا تزال أسيرة منطق القوة وفرض الوقائع على الأرض، في مقابل رفضها الالتزام بالقانون الدولي أو قرارات الأمم المتحدة. فبدل أن تستجيب لموجة الاعترافات الدولية باعتبارها مؤشرا على ضرورة إنهاء الاحتلال، تختار تل أبيب التمادي في سياسات الاستيطان والضم، في تعبير فج عن عنجهيتها واستعلائها على المجتمع الدولي. هذه المقاربة تكشف أزمة عميقة في الرؤية الصهيونية التي تعتبر أي تنازل أو تسوية تهديدًا وجوديًا، وتفضّل التصعيد على الانفتاح على حل سياسي عادل.

الخلاصة: معركة الشرعية الدولية

في النهاية، يمكن القول إنّ الضم المحتمل ليس سوى حلقة جديدة في صراع طويل بين الاحتلال الإسرائيلي والشرعية الدولية. فبينما يسعى الفلسطينيون إلى تثبيت وجودهم عبر الاعترافات والقرارات الأممية، يرد الاحتلال بمزيد من الاستيطان والتهويد. عنجهية إسرائيل قد تمنحها مكاسب ميدانية مؤقتة، لكنها على المدى البعيد تعزلها أكثر فأكثر، وتكشفها كدولة خارجة على القانون الدولي. وإذا ما مضت تل أبيب في هذه الخطط، فإنها لن تواجه فقط الغضب الفلسطيني، بل أيضًا تحديًا متصاعدًا من المجتمع الدولي الذي بدأ بالفعل يضيق ذرعًا بسياساتها الأحادية.

اقرأ أيضًا : الاحتلال يعلن استعادة جثتين من غزة بعد “عمليات خاصة”