بقلم: أحمد محمد أحمد

يمضي الاحتلال الإسرائيلي بخطوات متسارعة نحو تحويل مدينة القدس إلى مركز عسكري وأمني شامل، في مسار لا ينفصل عن مشروعه السياسي القائم على تكريس الضم وفرض الوقائع بالقوة، وإغلاق أي أفق مستقبلي لتقسيم المدينة أو إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية. 

فقد كشفت صحيفة إسرائيل هيوم عن توقيع اتفاقية إطارية بين وزارة الحرب الإسرائيلية وبلدية القدس الغربية، تهدف إلى إعادة هندسة المدينة أمنياً وعسكرياً، في خطوة وُصفت داخل الأوساط الإسرائيلية بأنها “تحول استراتيجي” في مكانة القدس ضمن المنظومة الدفاعية للدولة.

برج حربي في قلب المدينة

وفق ما أوردته الصحيفة، تتضمن الاتفاقية إنشاء برج حربي ضخم مكوّن من 30 طابقاً عند مدخل القدس، ليكون بمثابة “فرع مركزي للمؤسسة الدفاعية الإسرائيلية”. وسيضم البرج مقرات لجميع الهيئات الأمنية والعسكرية، بما في ذلك مكاتب لوزير الحرب ورئيس أركان الجيش، إضافة إلى أجهزة أمنية أخرى تعمل في مجالات الاستخبارات والعمليات والتخطيط.

ولا يقتصر المشروع على الطابع العسكري الصرف، بل يشمل أيضاً إنشاء مجمع لمديرية البحث والتطوير الحربي، في محاولة لجذب الكفاءات التكنولوجية الشابة إلى القدس. ويُسوّق الاحتلال هذه الخطوة باعتبارها رافعة اقتصادية للمدينة، إلا أن البعد الحقيقي لها يكمن في تحويل القدس إلى عقدة أمنية مركزية، تُدار منها عمليات الجيش وتُصاغ فيها عقيدته المستقبلية.

نقل التجنيد والكليات العسكرية

ويمتد مشروع العسكرة ليشمل إعادة توزيع البنية العسكرية داخل المدينة، عبر نقل مكتب التجنيد المركزي من موقعه الحالي في شارع راشي إلى منطقة جفعات همتوس، إحدى المستوطنات المقامة على أراضٍ فلسطينية جنوب القدس. ووفق الخطة، سيتم تحديث المكتب الجديد وربطه مباشرة بمراكز التدريب العسكري، حيث سينتقل المجندون بحافلات مخصصة إلى قاعدة تل هاشومير في يوم تجنيدهم.

كما ينص الاتفاق على نقل الكليات العسكرية إلى القدس، إلى جانب إقامة مشاريع سكنية مخصصة للجنود المحترفين وعائلاتهم، ما يعني توطيناً عسكرياً دائماً داخل المدينة، وليس مجرد وجود إداري أو مؤقت. ويعكس هذا التوجه رغبة إسرائيلية واضحة في إعادة تشكيل النسيج الديمغرافي للقدس، عبر تعزيز الوجود العسكري والاستيطاني فيها.

متحف للجيش واستعراض رمزي للقوة

وفي بعد لا يقل دلالة، يتضمن المشروع إنشاء متحف للجيش الإسرائيلي قرب حديقة القدس النباتية، في خطوة تحمل طابعاً رمزياً وتاريخياً، تسعى من خلالها إسرائيل إلى إعادة سردية المدينة وربطها عضوياً بتاريخ الجيش والمؤسسة الأمنية. فالمتحف، إلى جانب كونه فضاءً ثقافياً، يشكل أداة دعائية تُكرّس صورة القدس كعاصمة عسكرية وأمنية، لا كمدينة متعددة الهويات والانتماءات.

وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس عبّر بوضوح عن هذا التوجه، قائلاً إن “القدس ستصبح مركز مناطق عملياتنا الرئيسية”، مضيفاً أن الحكومة الإسرائيلية “تقول بصوت واضح: لا لدولة فلسطينية، والقدس العاصمة الأبدية لإسرائيل لن تُقسم أبداً”. هذه التصريحات لا تترك مجالاً للشك في أن المشروع يتجاوز البعد العمراني أو الإداري، ليصل إلى إعلان سياسي صريح بإغلاق ملف القدس نهائياً من منظور الاحتلال.

سياق سياسي وقانوني شديد الحساسية

يأتي هذا المشروع في سياق تاريخي وسياسي بالغ التعقيد. فالقدس الغربية احتُلت عام 1948، ثم استكملت إسرائيل احتلال المدينة بشطريها عام 1967، قبل أن تعلنها عام 1980 “عاصمة موحدة وأبدية”، في قرار رفضه المجتمع الدولي ولا يزال. ويصر الفلسطينيون على أن القدس الشرقية عاصمة دولتهم المنشودة، استناداً إلى قرارات الأمم المتحدة التي تعتبر ضم المدينة غير شرعي.

غير أن الاحتلال، مدعوماً بحماية سياسية أمريكية، يواصل تحدي القانون الدولي، رافضاً أي مسار يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية. وقد تصاعد هذا الخطاب منذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، حيث تعالت الأصوات الرسمية الإسرائيلية التي تنكر بشكل قاطع حق الفلسطينيين في الدولة، في وقت تعترف فيه 160 دولة حول العالم بدولة فلسطين.

عسكرة القدس كحسم للصراع

لا يمكن فصل مشروع عسكرة القدس عن الاستراتيجية الإسرائيلية الأوسع الهادفة إلى حسم الصراع على المدينة بالقوة، وتحويلها إلى فضاء أمني مغلق يخضع بالكامل لسيطرة الجيش والمؤسسة الدفاعية. فإقامة الأبراج العسكرية، ونقل مراكز التجنيد، وتوطين الجنود، وبناء المتاحف العسكرية، كلها أدوات في مشروع واحد يسعى إلى فرض “أمر واقع” لا رجعة عنه.

وبينما تُقدَّم هذه الخطوات إسرائيلياً باعتبارها مشاريع تطوير وأمن، يراها الفلسطينيون حلقة جديدة في سلسلة تهويد القدس، وتجريدها من طابعها العربي والإسلامي والمسيحي، وتحويلها إلى مدينة ثكنة، تُدار بمنطق القوة لا القانون. وفي ظل هذا المسار، تبدو القدس اليوم أقرب إلى مركز قيادة عسكرية منها إلى مدينة سلام، فيما يتراجع أي أفق سياسي عادل لحل الصراع، لصالح منطق العسكرة والحسم بالقوة.

اقرأ أيضا : قمع قيس سعيّد يتواصل: الإفراج عن 20 موقوفًا وسجن 4 على خلفية احتجاجات القيروان