في مشهد يعكس استمرار النهج الأمني الصارم الذي يطبع حكم الرئيس التونسي قيس سعيّد، قرر القضاء التونسي، الاثنين، الإفراج عن 20 موقوفًا وسجن 4 آخرين، على خلفية الاحتجاجات التي شهدتها مدينة القيروان وسط البلاد، عقب وفاة الشاب نعيم البريكي بعد مطاردة أمنية أثارت غضبًا شعبيًا واسعًا.
القرار القضائي، وإن بدا ظاهريًا محاولة لامتصاص الغضب، إلا أنه أعاد فتح النقاش مجددًا حول حدود القمع، وتوظيف القضاء، وتراجع الحريات في تونس ما بعد 25 يوليو.

حادثة القيروان.. شرارة الغضب
تفجّرت الاحتجاجات في القيروان عقب الإعلان عن وفاة الشاب نعيم البريكي (30 عامًا)، الذي نُقل إلى المستشفى الجامعي بالقيروان بعد تعرضه لإصابات خطيرة إثر مطاردة أمنية. ووفق تصريحات رسمية صادرة عن أحمد القادري، مساعد وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بالقيروان، فإن النيابة العمومية أذنت بفتح تحقيق في ملابسات الوفاة، بانتظار نتائج تقرير الطب الشرعي.
غير أن الرواية الرسمية اصطدمت سريعًا بروايات عائلة الضحية وشهادات متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي. فقد نشر أحد أقارب البريكي مقطعًا مصورًا اتهم فيه قوات الأمن بصدم دراجته النارية خلال المطاردة، ثم الاعتداء عليه بالضرب من قبل أربعة أعوان أمن، ما أدى إلى نزيف داخلي حاد في الرأس انتهى بوفاته داخل المستشفى. هذه الشهادات، وإن لم تُحسم قضائيًا بعد، شكّلت وقودًا للاحتجاجات الليلية التي شهدتها أحياء القيروان.
الاحتجاجات والقبضة الأمنية
على وقع الغضب الشعبي، اندلعت مناوشات بين محتجين وقوات الأمن ليلتي الجمعة والسبت، أسفرت عن توقيف 21 شخصًا، بحسب وسائل إعلام محلية. وتدخلت الوحدات الأمنية بقوة لتفريق المحتجين، في مشهد بات مألوفًا في تونس خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبح أي تحرك اجتماعي أو احتجاجي يُقابل باستجابة أمنية سريعة، غالبًا ما تتبعها حملات توقيف واسعة.
قرار الإفراج عن 20 موقوفًا مقابل سجن 4 آخرين يعكس هذا التوازن الهش بين محاولة تهدئة الشارع، والإصرار على توجيه رسائل ردع. فالإفراجات جاءت بعد ضغط حقوقي وإعلامي، بينما يظل سجن آخرين مؤشرًا على أن الدولة لم تتراجع عن منطق العقاب، بل أعادت توزيعه.
موقف المنظمات الحقوقية
الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان دخلت على خط الأزمة، مطالبة بالإفراج عن جميع الموقوفين، ومعبّرة عن “انشغال عميق” إزاء طريقة تعاطي السلطات مع الاحتجاجات. وأكدت الرابطة في بيانها أن الاحتجاجات جاءت في سياق الغضب من وفاة شاب في ظروف غامضة، وأن الرد الأمني يجب ألا يكون بديلاً عن المحاسبة والشفافية.
هذا الموقف يعكس مخاوف أوسع لدى المنظمات الحقوقية من تحوّل القضايا الاجتماعية والجنائية إلى ملفات أمن دولة، تُدار بعقلية الردع بدل العدالة، في ظل تضييق متزايد على المجتمع المدني والإعلام المستقل.
القضاء بين الاستقلال والضغط السياسي
فتح التحقيق القضائي في ملابسات وفاة البريكي خطوة ضرورية، لكنها تبقى غير كافية في نظر كثيرين، خاصة في ظل تآكل الثقة في استقلال القضاء منذ قرارات قيس سعيّد بتجميد البرلمان، وحل المجلس الأعلى للقضاء، وتكريس سلطة تنفيذية مهيمنة. ففي مثل هذا السياق، يُنظر إلى القضاء بوصفه جزءًا من منظومة إدارة الأزمات، لا أداة لكشف الحقيقة كاملة.
قرار السجن والإفراج الانتقائي يعزز هذا الانطباع، إذ يبدو القضاء وكأنه يتحرك ضمن هامش سياسي ضيق، يحاول فيه التوفيق بين الغضب الشعبي وتوجهات السلطة.
قيس سعيّد.. دولة الأمن بدل دولة القانون
أحداث القيروان لا يمكن فصلها عن المسار العام الذي تقوده السلطة الحالية في تونس. فمنذ 25 يوليو/تموز 2021، اتجهت البلاد تدريجيًا نحو إعادة إنتاج الدولة البوليسية، مع خطاب رسمي يبرر القمع باسم “تطبيق القانون” و”حماية الدولة”. وفي هذا السياق، تحوّلت الحوادث الفردية، مثل وفاة شاب خلال مطاردة أمنية، إلى كاشف خطير عن بنية العنف المؤسساتي.
بدل أن تكون مثل هذه الحوادث فرصة لمراجعة أداء الأجهزة الأمنية ومحاسبة المتورطين، تتحول إلى ذريعة لتوسيع القبضة الأمنية، وتجريم الاحتجاج، وتكريس مناخ الخوف.
إلى أين تتجه الأزمة؟
يبقى مصير قضية نعيم البريكي مرهونًا بنتائج التحقيق الطبي والقضائي، لكن المؤكد أن القيروان ليست حالة معزولة. فهي حلقة جديدة في سلسلة أزمات اجتماعية وأمنية تتفاقم في ظل غياب أفق سياسي، وتدهور اقتصادي خانق، وانسداد قنوات التعبير السلمي.
وفي ظل استمرار قمع قيس سعيّد، تبدو تونس اليوم أبعد من أي وقت مضى عن شعارات الثورة، وأقرب إلى نموذج حكم أمني، يُدار بالأوامر والملاحقات، ويُطفئ الأزمات مؤقتًا، دون أن يعالج جذورها.
اقرأ أيضًا : أمطار غزة تقتلع الخيام والاحتلال يعمّق الحصار ويمنع الإغاثة.. أين الوسطاء؟