في مشهد صادم يتحدى كل القيم الدينية والإنسانية، أقدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي على ارتكاب واحدة من أبشع الجرائم منذ بدء عدوانها المستمر على قطاع غزة، تمثّلت في نبش القبور وسرقة جثامين الشهداء والموتى من إحدى مقابر مدينة خان يونس، جنوب القطاع. الجريمة التي وثّقتها وزارة الأوقاف في غزة، وأكدتها مشاهد مصوّرة وشهادات أهالي، لم تكن سابقةً منعزلة، بل فصلًا جديدًا في مسلسل طويل من التدمير الممنهج لكل ما له صلة بالكرامة الإنسانية، حيًّا كان أو ميتًا.

وزارة الأوقاف في غزة أدانت هذا “السلوك الإجرامي الوحشي”، مؤكدة أن الاحتلال الإسرائيلي “لم يكتفِ بقتل الأحياء، بل يلاحق الأموات في قبورهم”، في انتهاك سافر لحرمة الموتى، وتجاوز سافر للأعراف الدينية والمواثيق الدولية التي تحرّم المساس بالمقابر.

توسيع رقعة الجريمة: 40 مقبرة دمرت بذرائع واهية

لا تُعدّ جريمة نبش القبور في خان يونس حادثة معزولة؛ فبحسب وزارة الأوقاف، دمّرت قوات الاحتلال نحو 40 مقبرة من أصل 60 في أنحاء قطاع غزة، تحت ذرائع أمنية واهية. تارة بحجة البحث عن أنفاق، وتارة بحجة العمليات العسكرية، يتم تجريف المقابر، وسحق قبور الشهداء، والعبث بجثامينهم، في مشهد لا يُرى حتى في الحروب الأكثر ظلامًا في التاريخ.

هذا التدمير للمقابر يشكّل اعتداءً مزدوجًا: على الذاكرة الجماعية للفلسطينيين الذين فقدوا أبناءهم وأقاربهم في العدوانات السابقة، وعلى الكرامة الإنسانية التي توجب احترام الأموات، لا تعريتهم أو سرقة رفاتهم. وتكشف هذه الأفعال عن مستوى الانحدار الأخلاقي الذي بلغته آلة الحرب الإسرائيلية، إذ باتت المقابر أهدافًا عسكرية مشروعة.

الجريمة تأتي في وقت تشهد فيه غزة كارثة إنسانية غير مسبوقة، ومع تواصل عمليات القتل والتدمير، يبدو أن الاحتلال يسعى إلى طمس كل ما يرمز للهوية الفلسطينية، حتى لو كانت عظامًا مدفونة في التراب.

المأساة مستمرة: الإبادة لا تفرّق بين حي وميت

الجريمة الأخيرة تأتي في سياق حرب شاملة تشنّها إسرائيل على القطاع منذ 7 أكتوبر 2023، والتي صنّفتها منظمات حقوقية دولية، وخبراء قانون، على أنها حرب إبادة جماعية متكاملة الأركان. وأعلنت وزارة الصحة في غزة أن حصيلة الضحايا ارتفعت إلى أكثر من 57 ألف شهيد و137 ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء. ورغم هذه الأرقام المفجعة، فإن الواقع قد يكون أكثر سوداوية، إذ لا يزال آلاف الضحايا تحت الأنقاض أو في الشوارع، حيث تعجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم بسبب القصف المستمر وانهيار منظومة الطوارئ.

وزادت الوزارة في بيانها الأخير أن من بين الضحايا الجدد خلال الـ24 ساعة الماضية، شهداء سقطوا أثناء انتظارهم للمساعدات الغذائية، في مجازر مكرّرة ارتكبتها قوات الاحتلال قرب نقاط توزيع المساعدات الأمريكية-الإسرائيلية، والتي تحوّلت من نقاط نجاة إلى كمائن للموت.

منذ استئناف الاحتلال عملياته الوحشية في 18 مارس 2025، قفز عدد الشهداء مجددًا إلى أكثر من 7 آلاف شهيد إضافي، وسط صمت دولي مريب، وتواطؤ أمريكي مستمر، رغم التحذيرات المتكررة من محكمة العدل الدولية، والتي طالبت مرارًا بوقف الإبادة ومعاقبة مرتكبيها.

خاتمة: حين يُستباح الموت.. من يردع آلة التوحّش؟

نبش القبور وسرقة الجثامين في خان يونس ليست سوى علامة جديدة على إفلاس أخلاقي كامل لدولة الاحتلال. إن الاعتداء على المقابر بهذا الشكل لم يُسجّل حتى في الحروب العالمية الكبرى، ما يكشف نية مبيّتة لـطمس معالم الوجود الفلسطيني من جذوره التاريخية والجغرافية والروحية.

فمنذ بداية الحرب، لم تترك إسرائيل مرفقًا من مرافق الحياة إلا ودمّرته: من البيوت إلى المستشفيات، من المدارس إلى المساجد، من الأطفال إلى الشيوخ، ومن الأحياء إلى القبور. ومع كل مجزرة جديدة، ينهار وهم “القيم الغربية” و”الشرعية الدولية”، التي تقف عاجزة أمام الاحتلال، بل وتمنحه الغطاء السياسي والعسكري لمواصلة جرائمه.

والسؤال الذي يُطرح بقوة اليوم: إذا كانت القبور لم تسلم من بطش الاحتلال، فهل هناك أي حدود تبقّت يمكن لإسرائيل أن تتوقف عندها؟ وهل من أمل في محاسبة الجناة، أم أن مصير غزة — أحياءً وأمواتًا — هو النسيان؟

اقرأ أيضًا : الضفة في قبضة النار: اعتقالات عشوائية وهجمات المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال