يواصل الاحتلال الإسرائيلي تصعيده الميداني في القدس ومحيطها، في سياق عدواني بات يوميًا ومنهجيًا، حيث أصيب 24 فلسطينيًا، خلال اقتحام واسع نفذته قوات الاحتلال لمخيم قلنديا وبلدة كفر عقب شمال القدس المحتلة، بالتزامن مع اقتحامات متواصلة للمسجد الأقصى، وسط غياب أي رادع دولي، وصمت رسمي فلسطيني يرقى إلى مستوى التواطؤ السياسي.

وبحسب الهلال الأحمر الفلسطيني، أسفر الاقتحام عن إصابة 24 مواطنًا خلال مواجهات اندلعت عقب اقتحام قوات الاحتلال مخيم قلنديا وكفر عقب، حيث استخدمت القوات الرصاص المطاطي وقنابل الصوت والغاز المدمع بكثافة، ما تسبب بحالات اختناق وذعر واسع في صفوف السكان، خاصة النساء والأطفال. المشهد لم يكن عملية أمنية محدودة، بل حملة عقاب جماعي مكتملة الأركان، هدفت إلى كسر المخيم وإرهاب سكانه.

سياسة خنق ممنهجة

محافظة القدس أفادت بأن قوات الاحتلال أغلقت حاجز قلنديا العسكري، وداهمت عددًا من المحال التجارية في كفر عقب، وصادرت بضائع ومعدات، متسببة بخسائر فادحة لأصحابها. هذه الممارسات لا تنفصل عن سياسة الخنق الاقتصادي التي يعتمدها الاحتلال لدفع الفلسطينيين نحو الفقر واليأس، تمهيدًا لتهجيرهم القسري من محيط القدس.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ شددت قوات الاحتلال سيطرتها على أحياء مخيم قلنديا، وشرعت بهدم منشآت تجارية في محيطه، واعتقلت عددًا من الفلسطينيين، في رسالة واضحة بأن المخيمات باتت هدفًا مباشرًا في معادلة الردع الإسرائيلية. كما أجبرت ثلاث عائلات فلسطينية على إخلاء منازلها داخل المخيم، وحولت أحدها إلى ثكنة عسكرية، في انتهاك فاضح لكل القوانين الدولية، وتأكيد إضافي على أن الاحتلال يتعامل مع الفلسطينيين كجماعة معادية يجب اقتلاعها لا كسكان واقعين تحت الاحتلال.

جدار الموت

وفي سياق متصل، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية استشهاد الشاب يوسف عمر عقل (33 عامًا)، متأثرًا بإصابته برصاص الاحتلال الأسبوع الماضي قرب بلدة الرام شمال القدس، أثناء محاولته اجتياز الجدار الفاصل. الجدار الذي يروج له الاحتلال كإجراء “أمني” تحوّل فعليًا إلى أداة قتل بطيء، يحاصر الفلسطينيين ويجعل من أبسط حقوقهم، كالحركة والعمل والعلاج، مغامرة قد تنتهي بالموت.

الأقصى في مرمى التهويد

بالتوازي مع اقتحامات المخيمات، صعّد المستوطنون اقتحاماتهم للمسجد الأقصى، حيث اقتحم 121 مستوطنًا باحات المسجد وأدوا طقوسًا تلمودية بحماية مشددة من شرطة الاحتلال. الاقتحامات نُفذت على شكل مجموعات متتالية من باب المغاربة، في مشهد يعكس تنسيقًا كاملًا بين المستوطنين والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية.

وتشير معطيات محافظة القدس إلى أن عدد المستوطنين الذين اقتحموا الأقصى خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي فقط بلغ نحو 4266 مستوطنًا، إضافة إلى أكثر من 15 ألف سائح أجنبي، في ظل تضييق متواصل على المقدسيين، شمل الإبعاد والاعتقال ومنع الدخول. ويأتي إبعاد حارس المسجد وهبي مكية لمدة ستة أشهر ضمن سياسة تفريغ الأقصى من حراسه الشرعيين، تمهيدًا لفرض واقع جديد بالقوة.

الضفة جبهة مفتوحة

هذا التصعيد يتزامن مع استمرار حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، والتي انعكست تصعيدًا موازياً في الضفة الغربية بما فيها القدس. فمنذ بدء الحرب، استشهد ما لا يقل عن 1103 فلسطينيين في الضفة، وأصيب نحو 11 آلاف آخرين، واعتُقل أكثر من 21 ألفًا، في مؤشر على أن الاحتلال يتعامل مع كل الجغرافيا الفلسطينية كساحة حرب واحدة، وإن اختلفت الأدوات.

صمت عباس.. شراكة في الجريمة

في مقابل هذا الإجرام المتصاعد، يبرز صمت السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس كعامل أساسي في استمرار العدوان. فالسلطة، التي ما زالت متمسكة بالتنسيق الأمني، لم تتخذ أي خطوات عملية لحماية الفلسطينيين، واكتفت ببيانات شجب باهتة لا تساوي شيئًا أمام الدم والهدم والتهجير. هذا الصمت، في نظر كثيرين، لا يُقرأ إلا كتواطؤ سياسي يوفّر غطاءً لاستمرار الاحتلال في جرائمه.

في المحصلة، ما يجري في مخيم قلنديا والمسجد الأقصى ليس أحداثًا عابرة، بل جزء من مشروع استعماري متكامل يستهدف كسر الإرادة الفلسطينية وفرض وقائع تهويدية بالقوة، مستفيدًا من عجز المجتمع الدولي، وتواطؤ رسمي فلسطيني، يترك الفلسطينيين وحدهم في مواجهة آلة القمع الإسرائيلية.

اقرأ أيضًا : يحتجزون الشباب ويطلبون الفدية.. نازح من الفاشر يروي قصة نجاته من ميليشيا الإمارات