في حلقة جديدة من مسلسل الإجرام الإسرائيلي المتواصل، أقدمت قوات الاحتلال صباح الجمعة على هدم منازل مواطنين في مخيم نور شمس شرقي طولكرم، بالتزامن مع مسيرة استفزازية نظمها عشرات المستوطنين قرب رام الله، في ظل صمت وتواطؤ من السلطة الفلسطينية، التي لم يصدر عنها أي موقف واضح سوى بعض الإدانات البروتوكولية.
وتتزامن هذه الجرائم مع إعلان حكومة الاحتلال رسميًا إقامة 22 مستوطنة جديدة، في خطوة وُصفت بأنها “تسريع للضم الزاحف” بدعم من الجيش والمستوطنين، فيما تتفاقم المعاناة في الضفة الغربية على وقع انتهاكات الاحتلال وخيانة قيادة السلطة لقضية شعبها.

نور شمس.. سياسة العقاب الجماعي تتجدد تحت غطاء “الأمن”
شهد مخيم نور شمس في طولكرم عملية هدم جديدة طالت منازل المدنيين الفلسطينيين، في مشهد يعكس استمرار سياسة العقاب الجماعي التي ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي منذ سنوات، والتي تصاعدت بوتيرة غير مسبوقة منذ اندلاع حرب غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وتشير التقارير إلى أن العشرات من المنازل مهددة بالهدم ضمن حملة انتقامية تستهدف مخيمات طولكرم وجنين ونور شمس، بزعم ارتباط سكانها بالمقاومة، في حين تُمنع العائلات من أخذ مقتنياتهم قبل تدمير مساكنهم بالكامل.
ورغم أن القانون الدولي يحظر الهدم الجماعي كإجراء عقابي، فإن الاحتلال يواصل تنفيذ هذه السياسة دون أي مساءلة، مستندًا إلى دعم أميركي وغربي وصمت من المؤسسات الدولية. اللافت أن هذه الجرائم لا تُقابل بأي تحرك فاعل من قبل السلطة الفلسطينية، التي اكتفت بإصدار بيانات خجولة لم توقف الجرافات ولم تحمِ المواطنين، ما يكرّس شعورًا عامًا بين الفلسطينيين بأن السلطة باتت جزءًا من منظومة “ضبط الشارع” خدمة للاحتلال.
مسيرات المستوطنين.. استفزازات محمية بسلاح الجيش
في ذات اليوم الذي دُمّرت فيه منازل الفلسطينيين، نظم عشرات المستوطنين مسيرة استفزازية بين مستوطنتي “عطيرت” و”حلميش” شمال غرب رام الله، رافعين الأعلام الإسرائيلية وداعين إلى الاستيلاء على مزيد من الأراضي الفلسطينية لصالح التوسع الاستيطاني.
وقد مرت هذه المسيرة عبر الطريق الرئيسي لقرية أم صفا، وسط حماية مشددة من قوات الاحتلال، التي وفرت للمستوطنين الغطاء العسكري الكامل لتمرير استفزازهم دون أن تتعرض لهم المقاومة أو حتى احتجاجات شعبية تذكر.
وفي الخليل، تتكرر المأساة، حيث اقتحم أكثر من 10 مستوطنين كهفًا وخيمة تعود لفلسطينيين مهجرين من قرية “خلة الضبع” في مسافر يطا، والتي سبق أن هدمها الاحتلال قبل أقل من شهر.
لم يكن الهدم بهدف توسعة مستوطنة أو ردًا على هجوم، بل بذريعة أنها منطقة تدريب عسكري، مما يفضح زيف الادعاءات الأمنية ويؤكد النية المبيتة لتهجير الفلسطينيين قسرًا من مناطقهم، لا سيما في جنوب الخليل وشمال رام الله والمناطق المصنفة (ج).
الغريب أن كل هذه الانتهاكات لم تستفز السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس، التي لم تتخذ أي إجراء عملي، لا في الميدان ولا في المحافل الدولية. بل تزداد الاتهامات داخل الشارع الفلسطيني بأن هذه السلطة باتت تمارس دور “المخبر” للاحتلال من خلال التنسيق الأمني الذي لم يتوقف رغم كل الدماء المسفوكة.
22 مستوطنة جديدة.. تثبيت الاحتلال والخيانة الصامتة
في تطور خطير يؤكد المضي قدمًا في سياسة الضم الزاحف، صدّق المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر مؤخرًا على خطة لإنشاء وتوسيع 22 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية.
وتشمل هذه الخطة مستوطنات قرب جنين ورام الله والخليل والقدس وأريحا، ما يشير إلى مشروع استيطاني شامل يهدف إلى تقطيع أوصال الضفة ومنع أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة.
وتُعد هذه الخطوة انتهاكًا فاضحًا للقانون الدولي، وفق ما أعلنته وزارة الخارجية الإسبانية التي أدانت القرار واعتبرته يقوض فرص السلام ويعرقل حل الدولتين. لكن، وكما جرت العادة، لا تتعدى هذه الإدانات سقف اللغة الدبلوماسية، في حين يبقى الاحتلال مطمئنًا لغياب العقوبات أو الضغوط الجدية.
على الجانب الفلسطيني، التزمت القيادة الرسمية الصمت، ولم تُقدِم على تحرك قانوني أو دبلوماسي جاد ضد هذا التصعيد، ما دفع جهات فلسطينية إلى وصف القرار بـ”جريمة حرب” تقابلها خيانة داخلية متمثلة في استمرار صمت السلطة.
وتُظهر الأرقام أن عدد المستوطنين في الضفة بلغ في نهاية 2024 نحو 770 ألفًا موزعين على 180 مستوطنة و256 بؤرة، كثير منها رعوية وزراعية، بما يؤكد أن المشروع الاستيطاني لم يعد عشوائيًا بل ممنهجًا ومدعومًا سياسيًا وعسكريًا.
الأمم المتحدة بدورها لا تزال تحذر من تقويض الاستيطان لفرص السلام، وتصفه بأنه غير شرعي، لكن هذه التحذيرات تبدو كصوت في صحراء، ما دامت القوة الفعلية على الأرض بيد الاحتلال المدعوم أميركيًا، والسلطة متفرغة لحماية “الاستقرار الوهمي” في مناطق سيطرتها المحدودة.
الاستيطان يتوسع
في الوقت الذي يواجه فيه الشعب الفلسطيني حرب إبادة في غزة، تتسارع خطوات الاحتلال في الضفة الغربية لفرض واقع استيطاني جديد بقوة السلاح، دون أدنى اعتبار للقانون الدولي أو للحقوق الفلسطينية. وفي ظل تخاذل المجتمع الدولي وخيانة قيادة رام الله، يجد المواطن الفلسطيني نفسه بين فكّي كماشة الاحتلال والسلطة، ما يدفعه للتساؤل: هل أصبح الطريق إلى التحرير يمرّ عبر إسقاط الاحتلال فقط، أم أيضًا عبر إسقاط السلطة التي فقدت شرعيتها؟
اقرأ أيضًا : الأسوأ منذ البداية.. الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر الإنساني في غزة