في تصعيد جديد يؤكد إصرار الاحتلال الإسرائيلي على مواصلة استباحة الأجواء السورية، استهدفت طائرة مسيّرة تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي، الجمعة، مقراً للأمن الداخلي في مدينة السلام بمحافظة القنيطرة جنوبي سوريا، ما أسفر عن أضرار مادية دون تسجيل إصابات بشرية، وفق ما أوردته وسائل إعلام سورية.

وقالت المصادر المحلية إن القصف استهدف مبنى يتبع لوزارة الداخلية السورية، يقع في منطقة قريبة من الحدود مع الجولان المحتل، وهو ما يعكس استمرار تل أبيب في ضرب المرافق الأمنية والمواقع الحساسة داخل الأراضي السورية تحت ذرائع “منع التهديدات الأمنية”. ووفق شهود عيان، فإن الانفجار كان قوياً، وسمع في مناطق متفرقة من ريف القنيطرة.

تصعيد متواصل منذ الإطاحة بالأسد

الهجوم الأخير يأتي بعد أقل من 24 ساعة على غارة جوية إسرائيلية استهدفت موقعاً عسكرياً للجيش السوري في محافظة اللاذقية شمال غربي البلاد، في رابع هجوم من نوعه خلال أقل من شهر. 

تلك الغارة طالت اللواء 107 المتمركز في قرية زاما بريف جبلة، حيث استخدمت صواريخ شديدة الانفجار أدت إلى اندلاع حرائق كبيرة داخل الموقع، فيما هرعت فرق الإطفاء والإسعاف في محاولة لاحتواء الأضرار.

وتشير المعطيات إلى أن الاحتلال الإسرائيلي كثّف وتيرة هجماته منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، في إطار استراتيجية واضحة لتدمير ما تبقى من الترسانة العسكرية التي خلفها النظام، ومنع أي محاولة لإعادة بناء البنية التحتية الدفاعية السورية.

سلسلة هجمات ممنهجة على مواقع استراتيجية

لم تقتصر الغارات الإسرائيلية على الجنوب السوري، بل امتدت إلى الساحل ومحافظات عدة، حيث قصفت تل أبيب مواقع عسكرية استراتيجية، من بينها ثكنة البلاطة في ريف طرطوس، وثكنة الشامية في منطقة برج إسلام بريف اللاذقية، إضافة إلى مواقع قرب وزارة الدفاع السورية ومحيط القصر الجمهوري بدمشق.

كما استهدفت ضربات أخرى مواقع في السويداء، في رسالة مزدوجة لكل من السلطة السورية والقوى الإقليمية الداعمة لها. ويؤكد خبراء عسكريون أن طبيعة الأهداف التي يختارها الاحتلال تعكس استراتيجية تهدف إلى تحييد الدفاعات الجوية السورية، وتدمير مستودعات الأسلحة والصواريخ، ومنع إعادة تشغيل المطارات والمراكز البحثية التي يمكن أن تخدم أي مشروع تسليحي مستقبلي.

انتهاك صارخ للسيادة السورية

تأتي هذه الغارات في ظل صمت رسمي سوري، حيث لم تصدر وزارة الدفاع أو وسائل الإعلام الحكومية أي تعليق على الهجوم الأخير في القنيطرة، وهو صمت بات يتكرر مع كل استهداف، ما يثير تساؤلات حول القدرة الفعلية للدولة السورية على الرد أو حتى الاحتجاج دبلوماسياً على هذه الانتهاكات المستمرة.

من منظور القانون الدولي، تشكل هذه الضربات انتهاكاً واضحاً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، ومخالفة لميثاق المنظمة الذي يحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي أي دولة. كما أن استمرار الاستهداف المتعمد لمقار حكومية ومواقع أمنية، من دون وجود حالة حرب معلنة بين الطرفين، يعد خرقاً لمبادئ القانون الدولي الإنساني.

البعد الإقليمي للتصعيد الإسرائيلي

يرى محللون أن تصعيد الاحتلال الإسرائيلي في سوريا بعد الإطاحة بالأسد مرتبط بعدة أهداف، أبرزها: منع إيران وحلفائها من إعادة التموضع داخل الأراضي السورية، وتدمير أي بنية عسكرية يمكن أن تشكل تهديداً مستقبلياً، بالإضافة إلى إرسال رسائل ردع إلى قوى إقليمية كحزب الله اللبناني.

كما أن ضرب القنيطرة، القريبة من الجولان المحتل، يحمل دلالات جغرافية وسياسية، إذ يسعى الاحتلال إلى إبقاء هذه المنطقة في حالة شلل أمني يمنع أي نشاط مسلح قد ينطلق منها نحو مواقعه في الجولان.

التحليق اليومي والرقابة الجوية

الغارات الإسرائيلية تأتي في ظل تحليق شبه يومي لطائرات استطلاع وحربية إسرائيلية فوق الأراضي السورية، خاصة في الجنوب ومحيط دمشق، وهو ما يجعل الأجواء السورية مكشوفة بشكل كامل أمام سلاح الجو الإسرائيلي، في ظل غياب أي ردع أو قدرة على إيقاف هذه الخروقات.

ويؤكد مراقبون أن هذا النمط من العمليات بات جزءاً من سياسة إسرائيلية ثابتة منذ سنوات، لكنه ازداد حدة بعد انهيار مؤسسات الدولة السورية، حيث تسعى تل أبيب لاستثمار الفراغ الأمني والسياسي لتعزيز هيمنتها الجوية ومنع أي إعادة تنظيم للقوى المعادية لها داخل سوريا.

خاتمة

الهجوم على مقر الأمن الداخلي في القنيطرة ليس حدثاً معزولاً، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الانتهاكات الإسرائيلية للأراضي السورية، والتي باتت جزءاً من مشهد متكرر يعكس اختلال موازين القوى في المنطقة. وفي ظل الصمت الدولي والعجز السوري، يبدو أن الاحتلال ماضٍ في تنفيذ أجندته العسكرية داخل سوريا، في انتهاك سافر للسيادة والقوانين الدولية، وبما يكرس واقعاً جديداً من السيطرة الجوية الإسرائيلية على سماء الجوار العربي.

اقرأ أيضًا : اتهامات لداعمي “Palestine Action”: هل تستخدم بريطانيا قوانين الإرهاب لتجريم التضامن مع فلسطين؟