في مشهد بات يوميًا يتكرر في مدن الضفة الغربية المحتلة، شنّت قوات الاحتلال الإسرائيلي فجر السبت حملة مداهمات واعتقالات واسعة طالت مخيمات وبلدات عدة، في استمرار لنهج قمعي يسعى لتكريس السيطرة على الأرض وتفكيك أي بنية للمقاومة الفلسطينية.
هذه العمليات العسكرية لم تعد مجرد “حملات أمنية” كما يروج الاحتلال، بل تحولت إلى سياسة منظمة تهدف إلى إنهاك المجتمع الفلسطيني بالاعتقالات الجماعية والتنكيل بالمواطنين، فيما يكتفي رئيس السلطة محمود عباس بإصدار بيانات باهتة أو الصمت المطبق، في مشهد يعكس خيانة واضحة لقضية الشعب الفلسطيني.

اقتحامات متزامنة ومشاهد رعب
مع ساعات الفجر الأولى، اقتحمت قوات الاحتلال مخيم العين غرب نابلس، ونفذت عمليات اعتقال ودهم واسعة في بلدة عوا وبني نعيم في الخليل، إضافة إلى بلدة حبلة جنوب قلقيلية، ومخيم الجلزون شمال رام الله.
وفي منطقة الظهر ببلدة بيت أمر جنوب الخليل، أطلق الجنود الرصاص الحي بشكل عشوائي، ما بثّ الرعب في نفوس السكان، بينما شهدت بلدة كفردان غرب جنين اقتحامًا آخر تخلله اعتقالات طالت عدداً من الأهالي.
الاقتحامات لم تقتصر على الاعتقالات فقط، بل تضمنت تكسير الأبواب، ترهيب الأطفال والنساء، وإطلاق النار داخل الأحياء السكنية، وهي سياسة متعمدة لإشعار الفلسطينيين بأنهم تحت سيف التهديد الدائم.
الاحتلال لم يكتفِ بذلك، بل استمر في سياسة تغطية جرائم المستوطنين، إذ اقتحم بلدات عدة لتوفير الحماية لهم خلال اعتداءاتهم.
عنف المستوطنين برعاية الجيش
بالتزامن مع حملة الاعتقالات، صعّد المستوطنون من اعتداءاتهم على الفلسطينيين، في مشهد يوضح التكامل بين جيش الاحتلال وميليشيات المستوطنين. ففي بلدة المزرعة الشرقية شرق رام الله، هاجمت مجموعة من المستوطنين المواطنين وأطلقت النار عليهم، ما أدى إلى إصابة ثلاثة فلسطينيين نُقلوا إلى المستشفى لتلقي العلاج. وفي بلدة عطارة شمال رام الله، أضرم المستوطنون النار في أربع مركبات، وألقوا زجاجات حارقة على منزل، ما أدى إلى إحراقه جزئيًا.
اللافت أن قوات الاحتلال التي اقتحمت البلدة لم تتحرك لحماية الأهالي أو وقف الاعتداء، بل جاءت لتأمين المعتدين ومنع الأهالي من الدفاع عن أنفسهم. هذه السياسة المزدوجة تكشف أن الاحتلال يتعامل مع المستوطنين كجزء من منظومة السيطرة على الفلسطينيين، وهو ما يجعل العنف الممارس ضدهم سياسة دولة وليست مجرد “تجاوزات فردية”.
أرقام صادمة ودلالات عميقة
منذ اندلاع الحرب على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تشهد الضفة الغربية موجة غير مسبوقة من الاعتداءات، إذ استشهد أكثر من 1014 فلسطينيًا برصاص الاحتلال والمستوطنين، فيما أصيب ما يقارب سبعة آلاف آخرين. أما الاعتقالات، فقد تجاوزت 18 ألفًا و500 مواطن، بينهم نساء وأطفال وطلبة جامعات. هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم المعاناة الإنسانية، بل تكشف عن سياسة إسرائيلية ممنهجة تستهدف خنق المجتمع الفلسطيني وإفراغه من قياداته ونخبه الشابة التي قد تشكل رافعة للمقاومة.
وفي غزة، يواصل الاحتلال حربه الإجرامية بدعم أمريكي، حيث بلغ عدد الشهداء 61 ألفًا و722، فيما أصيب 154 ألفًا و525 آخرون، معظمهم من النساء والأطفال. هذه الأرقام المروعة تضع الاحتلال في خانة ارتكاب “إبادة جماعية” وفق القانون الدولي، لكن الصمت الدولي والتواطؤ الإقليمي يجعلان آلة القتل مستمرة بلا رادع.
خيانة السلطة وتواطؤ عباس
وسط كل هذه الانتهاكات، يغيب أي موقف فعّال من سلطة محمود عباس التي تكتفي بإدارة التنسيق الأمني مع الاحتلال، في خيانة صريحة لدماء الشهداء وآلام المعتقلين. هذا الصمت لا يمكن قراءته إلا كتواطؤ مع المشروع الإسرائيلي، حيث تواصل أجهزة السلطة ملاحقة المقاومين والتضييق على الحركات الشعبية بدلًا من دعم صمودها.
عباس، الذي فقد شرعيته الشعبية منذ سنوات، يظهر وكأنه أداة لضبط الشارع الفلسطيني وفق ما يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية والأمريكية، وهو ما يفسر استمرار حملات الاعتقال والاقتحام في ظل غياب أي رد سياسي أو تحرك دبلوماسي فعلي يردع الاحتلال.
خلاصة: سياسة ممنهجة ومقاومة مستمرة
إن ما يجري في الضفة الغربية ليس أحداثًا متفرقة، بل سياسة مدروسة تهدف إلى تحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم دائم، سواء عبر الاعتقالات اليومية، أو اقتحامات المنازل، أو عنف المستوطنين المحمي بالجيش. وفي المقابل، يتأكد يومًا بعد يوم أن الاحتلال يسعى لتفريغ الساحة الفلسطينية من أي قوة معارضة، فيما يظل محمود عباس شريكًا في تكريس هذا الواقع بصمته وتعاونه الأمني.
لكن رغم ذلك، فإن الشعب الفلسطيني يثبت في كل مرة أن إرادته لا تُكسر، وأن حملات الاعتقال لن توقف مقاومته المتصاعدة في الضفة، والتي باتت تشكل هاجسًا يوميًا للاحتلال. هذه الحقيقة وحدها تؤكد أن جرائم الاحتلال وخيانة السلطة لن تغيّرا مسار التاريخ، فالأرض ستبقى فلسطينية، والمقاومة هي الطريق الوحيد لاستعادة الحقوق.
اقرأ أيضًا : الإمارات وراء تمزيق السودان.. الخرطوم ترحب ببيان أممي يرفض خطط “الدعم السريع” لتشكيل حكومة موازية