في مشهدٍ يعكس تصعيدًا إسرائيليًا ممنهجًا، شهدت الضفة الغربية المحتلة، الجمعة، سلسلة اقتحامات عسكرية وعدوانًا متزامنًا من قبل المستوطنين، أسفر عن إصابات وترويع واسع بين المدنيين الفلسطينيين.

ففي الوقت الذي يواصل جيش الاحتلال إحكام قبضته على المدن والقرى الفلسطينية، لا يتردد المستوطنون في ممارسة اعتداءاتهم تحت حماية الجنود، بينما تلتزم قيادة السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس صمتًا يُفسَّر على أنه تواطؤ أو خيانة لقضية الشعب.

 

اقتحامات متعددة وإصابات بين المدنيين

بدأت الاعتداءات مع ساعات الصباح حين اقتحمت قوة من مشاة الاحتلال، مدعومة بآلية عسكرية، مدينة البيرة انطلاقًا من مستعمرة بساغوت الجاثمة على أراضيها. أطلق الجنود الرصاص الحي بكثافة في عدد من الأحياء، ما نشر الرعب في صفوف السكان، وأدى إلى إصابة عدد من الشبان.

وفي بيت لقيا غرب رام الله، اندلعت مواجهات عقب اقتحام قوات الاحتلال للبلدة، حيث أطلق الجنود قنابل الغاز السام بكثافة صوب المتظاهرين الذين حاولوا التصدي لعدوانهم. أما شمالًا، فقد شهدت قرية عنزا جنوب جنين إصابة شاب برصاص الاحتلال، بعد أن اجتاحت القوات القرية وانتشرت في شوارعها مطلقة النار الحي بشكل مباشر نحو الأهالي.

هذه الاقتحامات لم تكن عمليات عشوائية، بل تعكس سياسة إسرائيلية ثابتة تقوم على إشغال الضفة بعمليات اقتحام يومية، تهدف إلى كسر إرادة السكان، وإشعارهم بأن الاحتلال حاضر في كل لحظة ومكان.

عدوان المستوطنين في نابلس: إرهاب منظم

في موازاة الاقتحامات العسكرية، شنّ المستوطنون عدوانًا على التجمعات السكانية الفلسطينية. ففي قرية دوما جنوب نابلس، اعتدى مستوطنون على تجمع بدوي، وقاموا بضرب أحد المواطنين وتحطيم هاتفه الشخصي، إلى جانب أعمال تخريب وتكسير في ممتلكات الأهالي.

هذا العدوان ليس حادثًا فرديًا، بل جزء من نهج ممنهج مدعوم من الحكومة الإسرائيلية اليمينية التي يقودها نتنياهو، والتي توفر للمستوطنين الغطاء السياسي والعسكري. فالمستوطنون يتحركون تحت حماية الجيش، ما يجعلهم أداة إضافية لفرض التهجير القسري وزعزعة وجود الفلسطينيين في قراهم، خصوصًا في المناطق المصنفة (ج) التي تشكل مسرحًا للاستيطان المتسارع.

عباس بين العجز والتواطؤ

في ظل هذه التطورات، يغيب أي موقف فاعل من السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس. فمنذ سنوات، اتخذت السلطة خط التسوية والمفاوضات خيارًا وحيدًا، رغم فشلها الذريع، بينما تخلت عن خيار المقاومة الشعبية أو حتى الدفاع عن المدنيين في الحد الأدنى.

إن صمت عباس أمام اقتحامات المدن واعتداءات المستوطنين يطرح علامات استفهام كبرى حول دور السلطة. بل إن التنسيق الأمني المستمر بين أجهزة السلطة وجيش الاحتلال يُعد بمثابة غطاء آخر لتمادي الاحتلال، حيث يسهل تحركاته داخل المدن والقرى الفلسطينية، ويمنحه شعورًا بالاطمئنان من غياب أي رد فعل رسمي فلسطيني.

وإذا كان الشعب الفلسطيني يتعرض لعدوان مزدوج من الجيش والمستوطنين، فإن خذلان القيادة الرسمية يزيد من حجم الكارثة، ويُشعر المواطنين بأنهم مكشوفون بلا حماية. فبينما يقدّم المقاومون في غزة والضفة حياتهم دفاعًا عن الأرض، يكتفي عباس بخطابات جوفاء في المحافل الدولية دون أي أثر عملي.

دلالات التصعيد في الضفة

هذا التصعيد في الضفة له دلالات سياسية وأمنية عميقة. فمن جهة، تسعى إسرائيل لإشغال الساحة الفلسطينية شمالًا وجنوبًا، بحيث لا تقتصر المواجهة على قطاع غزة. وهي بذلك ترسل رسالة مفادها أن الاحتلال قادر على فتح أكثر من جبهة في آن واحد. ومن جهة ثانية، تكشف الاعتداءات عن تواطؤ أمريكي وأوروبي صامت، يكتفي بالحديث عن “التهدئة” دون إدانة صريحة لجرائم المستوطنين.

كما أن تكثيف الاقتحامات والممارسات الاستيطانية يندرج ضمن خطة إسرائيلية أوسع لفرض واقع جديد على الأرض، يُسهل مستقبلاً ضم مناطق أوسع من الضفة، ويحوّل الوجود الفلسطيني إلى جزر معزولة في محيط استيطاني خانق.

خاتمة: مقاومة بلا قيادة

تثبت الوقائع الميدانية أن الاحتلال الإسرائيلي ماضٍ في سياسته القائمة على القمع والاستيطان، وأن المستوطنين باتوا جيشًا رديفًا يمارس الإرهاب اليومي ضد الفلسطينيين. وفي المقابل، فإن غياب القيادة الفلسطينية الرسمية عن المشهد، وصمت محمود عباس، لا يعد فقط عجزًا سياسيًا، بل خيانة صريحة لتضحيات الشعب الفلسطيني.

إن معركة الضفة الغربية لم تعد مجرد اقتحامات ليلية أو اعتداءات فردية من المستوطنين، بل هي حرب يومية صامتة تستهدف الوجود الفلسطيني ذاته. وما لم يتحرك الشارع الفلسطيني ويجد بديلًا عن قيادة أثبتت فشلها وتواطؤها، فإن الاحتلال سيواصل مشروعه الاستيطاني بلا رادع، بينما يظل المواطن الفلسطيني وحده في مواجهة آلة القمع والعدوان.

اقرأ أيضًا : اقتحام مصنع أسلحة بريطاني يزود الاحتلال: حركة مؤيدة لفلسطين تكشف تورط لندن