في مشهد يعكس جوهر السياسة الإسرائيلية القائمة على فرض الوقائع بالقوة، واصل جيش الاحتلال الإسرائيلي، فجر اليوم السبت، توسيع نطاق سيطرته الميدانية داخل قطاع غزة، عبر غارات جوية وتوغلات برية وعمليات نسف ممنهجة، متجاوزًا ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» الذي جرى تحديده سابقًا كنطاق مؤقت لوجود القوات الإسرائيلية.
هذه التطورات لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياقٍ أوسع من الإجرام المنظم، الهادف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا بالقوة، وتقويض أي مسار حقيقي لوقف الحرب.

توسّع بالقوة خارج الخط المعلن
وفق مراسل الجزيرة، شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي سلسلة غارات استهدفت مناطق شرقي مدينة غزة، إضافة إلى شرق مدينة دير البلح ومخيم البريج وسط القطاع، داخل ما بات يُعرف بـ«الخط الأصفر». كما توغلت آليات عسكرية إسرائيلية شرق دير البلح، وسط إطلاق نار كثيف قرب السياج الفاصل، في مؤشر واضح على نية توسيع السيطرة لا الاكتفاء بالانتشار الدفاعي المزعوم.
وفي السياق نفسه، كشفت صحيفة هآرتس—استنادًا إلى صور أقمار صناعية—أن الجيش الإسرائيلي دفع الخط الأصفر إلى عمق إضافي داخل القطاع، موسعًا بذلك مساحة المناطق الخاضعة لسيطرته الفعلية. هذا التطور يؤكد أن «الخط» لم يكن سوى أداة مؤقتة لتثبيت احتلال متدرج، يتقدم كلما سنحت الفرصة السياسية والعسكرية.
نسف ممنهج وتدمير بلا مبرر عسكري
التوسّع الميداني ترافق مع عمليات نسف وتدمير واسعة النطاق. تحليل نشرته صحيفة نيويورك تايمز أظهر أن الجيش الإسرائيلي واصل تدمير الأحياء والمربعات السكنية الواقعة تحت سيطرته شرقي الخط الأصفر، حيث جرى تدمير أكثر من 2500 منشأة ومبنى منذ بدء وقف إطلاق النار. هذه الأرقام، في فترة يفترض أنها «تهدئة»، تكشف زيف الرواية الإسرائيلية حول الضرورات الأمنية، وتؤكد أن الهدف الحقيقي هو محو البيئة العمرانية وتهيئة الأرض لفرض وقائع دائمة تمنع عودة السكان.
وفي تعبير فجّ عن عقلية الإفلات من العقاب، هنّأ وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الجنود على ما وصفه بـ«الإنجازات»، في معرض رده على تقرير الصحيفة الأميركية. هكذا تتحول الجريمة إلى مصدر فخر رسمي، ويُكافأ التدمير الجماعي بدل مساءلته.
خروقات مستمرة لاتفاق وقف الحرب
المرحلة الأولى من اتفاق وقف الحرب شهدت، عمليًا، خروقات إسرائيلية متواصلة، تمثلت في تعديل مسار الخط الأصفر وتدمير آلاف المباني والمنشآت في مختلف أنحاء القطاع. هذا السلوك يفرغ الاتفاق من مضمونه، ويحوّله إلى غطاء سياسي لفرض السيطرة بالقوة، بدل أن يكون خطوة نحو إنهاء العدوان.
إعلان المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف—نيابة عن الرئيس دونالد ترامب—إطلاق المرحلة الثانية من خطة من 20 بندًا، تنتقل من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح وتشكيل إدارة تكنوقراطية وإعادة الإعمار، يأتي بينما تواصل إسرائيل تدمير ما تبقى من مقومات الحياة. فكيف يمكن الحديث عن إعادة إعمار، بينما تُنسف الأحياء وتُمحى البنية التحتية عمدًا؟
ضحايا مدنيون… واستهداف متعمد للحياة
ميدانيًا، تتواصل الجرائم بحق المدنيين. مصادر طبية في مستشفى الشفاء بمدينة غزة أفادت باستشهاد طفلين وإصابة آخرين برصاص الجيش الإسرائيلي خارج مناطق انتشاره في بيت لاهيا شمالي القطاع. كما استُشهدت طفلة تبلغ من العمر 10 سنوات، إثر استهداف طائرة مسيّرة إسرائيلية محيط مدارس تؤوي نازحين في المدينة، في جريمة جديدة تؤكد أن المدنيين—ولا سيما الأطفال—هدف مباشر للآلة العسكرية.
وفي خان يونس جنوبي القطاع، استُشهدت مواطنة وأُصيب آخرون برصاص قوات الاحتلال، فيما أُصيب صياد في بحر المدينة، إضافة إلى إصابة شخص آخر بجروح حرجة في منطقة قيزان النجار، وفق وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية.
أرقام تلخص مأساة الإبادة
وزارة الصحة في غزة أعلنت، في تقريرها الإحصائي، وصول 14 شهيدًا و18 مصابًا إلى المستشفيات خلال 24 ساعة فقط. وبذلك يرتفع عدد الشهداء منذ بدء وقف النار الأخير في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025 إلى 463 شهيدًا و1269 مصابًا، إضافة إلى انتشال مئات الجثث من تحت الركام. أما الحصيلة التراكمية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 فتبلغ عشرات الآلاف من الشهداء ومئات الآلاف من الجرحى، في واحدة من أكثر حملات التدمير دموية في التاريخ الحديث.
خلاصة
ما يجري في غزة ليس عمليات عسكرية معزولة، بل سياسة احتلالية ممنهجة تقوم على التوسع بالقوة، والتدمير الشامل، واستباحة حياة المدنيين، مع تجاهل صارخ للقانون الدولي. ومع استمرار الصمت الدولي، تتواصل فصول الإجرام، فيما يدفع الفلسطينيون ثمنًا إنسانيًا فادحًا، في حرب يبدو أن الاحتلال مصمم على إدارتها بلا أي رادع.
اقرأ أيضًا : تطبيع المناهج الإماراتية مع الاحتلال.. حين تتحول التربية إلى شراكة مع الإبادة