في خضم تصاعد الأحداث في غزة والتوتر الإقليمي بين إيران و”إسرائيل”، جددت فرنسا، على لسان المتحدث باسم خارجيتها كريستوف لوموان، تأكيدها بأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية “ليس من المحرّمات”، وهو تصريح يعيد الملف الفلسطيني إلى واجهة النقاش الدولي، ويضع باريس مجددًا في موقع الترقّب الحاسم بين الأقوال والقرارات.

 خطوة رمزية أم تحول استراتيجي؟

فرنسا، إحدى الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، لطالما التزمت بمواقف دبلوماسية معتدلة حيال القضية الفلسطينية، لكنها ظلت مترددة في اتخاذ خطوة الاعتراف الرسمي، رغم تزايد اعترافات الدول الأوروبية خلال السنوات الماضية.

لكن تجديد الخطاب الدبلوماسي الفرنسي – هذه المرة باستخدام عبارة “ليس من المحرّمات” – يعكس:

  • محاولة لإعادة التموضع في الشرق الأوسط بعد اهتزاز دور باريس في الملف اللبناني والسوري.

  • رسالة سياسية لإسرائيل، خاصة بعد إعلانها بناء 22 مستوطنة جديدة كردّ على أي مساعٍ دولية للاعتراف بفلسطين.

  • ضغط داخلي وأوروبي يطالب بمواقف أكثر وضوحًا بعد حرب غزة الأخيرة، وسط تنامي التعاطف الشعبي الأوروبي مع الفلسطينيين.

 المؤتمر المؤجل.. اختبار النوايا الفرنسية

كان من المقرر عقد “مؤتمر فلسطين الدولي” في نيويورك بمشاركة فرنسية-سعودية رفيعة، لبحث حل الدولتين وتحفيز الاعتراف بالدولة الفلسطينية، لكن التصعيد الإسرائيلي الإيراني دفع الرئيس ماكرون إلى تأجيل المؤتمر لأجل غير مسمى.

ورغم أن التأجيل يحمل مبررات أمنية ودبلوماسية، إلا أنه يكشف محدودية الإرادة السياسية الفرنسية عندما يتعلق الأمر بمواجهة الغطرسة الإسرائيلية، خاصة في ظل حكومة يمينية متطرفة تقود تل أبيب نحو التصعيد الاستيطاني وتصفية أي أفق لحل الدولتين.

 الرد الإسرائيلي: دولة فلسطينية على الورق.. ومستعمرات على الأرض

لم يتأخر الرد الإسرائيلي على التصريحات الفرنسية. وزير الحرب الحالي (ووزير الخارجية السابق) يسرائيل كاتس، صرّح بوضوح:

“هم سيعترفون بدولة فلسطينية على الورق، ونحن سنبني الدولة اليهودية الإسرائيلية هنا على الأرض”.

وجاء هذا التصريح في أعقاب إعلان حكومي ببناء 22 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية المحتلة، بما يشمل تعزيز الاستيطان في شمال الضفة والمناطق الشرقية، في خطوة تجهز فعليًا على أي إمكانية جغرافية لدولة فلسطينية قابلة للحياة.

كما أن إعلان وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش عن “قرار تاريخي لتطوير الاستيطان”، يأتي كجزء من ردّ فعلي استباقي لإجهاض أي تحرّك دولي نحو الاعتراف بفلسطين، وتكريس واقع الاحتلال بالقوة.

الاعتراف وحده لا يكفي

رغم أهمية الاعتراف الرمزي، إلا أن:

  • الاعتراف بدون عقوبات أو خطوات عملية ضد الاستيطان لن يُحدث تحولًا ميدانيًا حقيقيًا.

  • الاستيطان الإسرائيلي يتوسع بشكل متسارع، ويحوّل “حل الدولتين” إلى مجرد شعار.

  • اليمين الإسرائيلي يستخدم التصعيد الاستيطاني كأداة لمواجهة الضغوط الدولية، مدعومًا بصمت أمريكي وغطاء إقليمي.

وفي ظل هذا المشهد، فإن أي اعتراف فرنسي – أو أوروبي – يجب أن يترافق مع:

  1. اعتراف قانوني ملزم في الأمم المتحدة.

  2. إجراءات اقتصادية ضد الاحتلال والاستيطان.

  3. دعم واضح لمبدأ إنهاء الاحتلال وتفكيك المستوطنات.

تصريحات باريس الأخيرة قد تكون بداية تحوّل، لكنها تبقى مرهونة بالفعل لا بالتصريح.

فبين “دولة فلسطينية على الورق” و”دولة استيطانية تُبنى على الأرض”، يُختبر المجتمع الدولي، وتُقاس صدقية فرنسا، ويُسحق حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم تحت جنازير الجرافات الإسرائيلية.

فهل تتحول كلمات باريس إلى اعتراف حقيقي؟ أم تبقى مجرد عزاء دبلوماسي في زمن المجازر والمستوطنات؟

اقرأ أيضا:  مؤتمر نيويورك: بين نزع سلاح حماس وورقة السلطة الفلسطينية.. فرنسا والسعودية تعيدان رسم خارطة غزة؟