في تطور لافت يعكس التحوّلات في مواقف القوى الدولية تجاه الملف الفلسطيني، كشفت فرنسا عن ملامح مؤتمر دولي مرتقب يُعقد هذا الشهر في نيويورك، بالتعاون مع السعودية، لا يهدف – بحسب مسؤول فرنسي رفيع – إلى الاعتراف المباشر بدولة فلسطينية، بل إلى بلورة رؤية سياسية وأمنية أوسع ترتكز على نزع سلاح حركة حماس، وإصلاح السلطة الفلسطينية، وتأمين الإفراج عن الأسرى، وإعادة تنظيم قطاع غزة لما بعد الحرب.
من الاعتراف إلى الترتيبات الأمنية.. تغيير في الأولويات
بينما كان يُعتقد أن المؤتمر سيتناول قضية الاعتراف بالدولة الفلسطينية، تبين أن باريس والرياض تسعيان لتأطير النقاش في سياق “إعادة هيكلة قطاع غزة”، لا في سياق الحقوق الوطنية للفلسطينيين. وتشير التصريحات إلى تحوّل لافت في الرؤية الفرنسية – السعودية من طرح الحلول الدبلوماسية إلى التركيز على الملف الأمني، في توافق ضمني مع أجندة الاحتلال الإسرائيلي.
هذا التحول يثير مخاوف أوساط فلسطينية من أن تصبح قضية “سلاح المقاومة” هي المدخل السياسي الجديد لمرحلة ما بعد الحرب، بما يعني تهشيم القوة العسكرية في غزة مقابل وعود غامضة بإعادة الإعمار ومسار دبلوماسي طويل الأمد.
فرنسا والسعودية: شراكة غير تقليدية برعاية أمريكية؟
اللافت أن الشراكة الفرنسية السعودية في هذا المؤتمر لا تأتي بمعزل عن المشهد الجيوسياسي، بل في ظل ضغوط أمريكية لإيجاد صيغة “توافقية” تسمح بترتيب الوضع في غزة بما يخدم المصالح الأمنية لإسرائيل، ويضعف دور حماس وحلفائها، مع احتواء الغضب الشعبي العربي والإسلامي المتصاعد منذ مجازر غزة.
وتسعى باريس إلى لعب دور الوسيط النشط، مدفوعة بتراجع نفوذها في ملفات أخرى بالمنطقة، بينما تسعى الرياض إلى الحفاظ على توازن حساس بين تطلعات التطبيع وأوراقها الإقليمية، خاصة في ظل ضغوط أمريكية لإحداث “اختراق” سياسي في الملف الفلسطيني.
الاعتراف بالدولة مؤجل.. لكن بأي ثمن؟
يحاول المؤتمر المرتقب تجاوز المسارات التقليدية بالحديث عن “مرحلة ما بعد الحرب”، لكن تغييب الحديث الصريح عن الحقوق الوطنية للفلسطينيين، وعلى رأسها الدولة المستقلة وإنهاء الاحتلال، يضعف مصداقية هذا المسار. بل ويطرح تساؤلات حول ما إذا كان يتم استخدام مفهوم إعادة الإعمار كغطاء لإعادة ترتيب الواقع الفلسطيني بما يتناسب مع مصالح الاحتلال وشركائه الدوليين.
هل تكتب نيويورك بداية نهاية المشروع الوطني الفلسطيني أم بداية ترتيب جديد؟
مع ترقب ما سيخرج عن هذا المؤتمر، تبقى الأنظار متوجّهة إلى موقف الأطراف الفلسطينية، وخاصة موقف المقاومة في غزة، من أي مبادرة لا تضع على رأس أولوياتها التحرر من الاحتلال وإنهاء الحصار، وتكتفي بتنازلات أمنية وسياسية لصالح مشاريع ما بعد الحرب.
اقرأ أيضا: نقابات عمالية من 36 دولة تتقدم بشكوى رسمية ضد السعودية بسبب الانتهاكات بحق العمال المهاجرين