في مشهد أثار جدلاً واسعًا في الأوساط الفلسطينية والدولية، ظهر المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، برفقة قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال برادلي كوبر، في قطاع غزة بعد اكتمال انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” وفق خريطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. 

المشهد الذي وثقته القناة الـ13 العبرية، لم يكن مجرد زيارة دبلوماسية بروتوكولية، بل عكس ـ بحسب مراقبين ـ عمق الانحياز الأمريكي لإسرائيل، ودور واشنطن في إدارة تفاصيل المشهد العسكري والسياسي في القطاع بعد وقف إطلاق النار الأخير.

واشنطن على الأرض: متابعة دقيقة لتنفيذ الانسحاب

بحسب التقارير العبرية، رافق ويتكوف وكوبر رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير خلال الزيارة الميدانية التي نُشرت صورها على نطاق واسع في الإعلام الإسرائيلي، وسط تصريحات تؤكد أن الهدف من الزيارة هو “التأكد من اكتمال المرحلة الأولى من الانسحاب الإسرائيلي وفق بنود الاتفاق مع حركة حماس”.

ونقلت القناة عن ويتكوف قوله إن “الجيش الإسرائيلي أنجز المرحلة الأولى من الانسحاب من قطاع غزة إلى الخط الأصفر”، مضيفًا أن “هذه الخطوة تفتح الباب أمام بدء فترة الـ72 ساعة التي تسبق عملية تبادل الأسرى”.

اللافت في تصريحات ويتكوف كان استخدامها للغة عسكرية صريحة توحي بتبنيه وجهة النظر الإسرائيلية بالكامل، إذ أشار إلى أن “الانسحاب تم بسلاسة ووفق الخطة الموضوعة بالتنسيق مع القيادة الوسطى الأمريكية”، في حين نشر على منصة “إكس” منشورًا نقلًا عن وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” يؤكد أن القيادة المركزية (CENTCOM) تشرف بشكل مباشر على عملية التحقق من الالتزام الإسرائيلي ببنود الاتفاق.

مشهد ميداني مؤلم للفلسطينيين

وبينما كانت الوفود الأمريكية والإسرائيلية تجتمع أمام الخرائط والمناطق المنسحب منها جيش الاحتلال، كان آلاف الفلسطينيين يتدفقون نحو شمال غزة الجمعة الماضية، في مشهد يعكس عمق المأساة الإنسانية.

فقد عاد النازحون بلهفة لرؤية ما تبقى من منازلهم التي دمرها العدوان الإسرائيلي المستمر منذ عامين، وسط أنقاض المدينة التي باتت بلا ملامح.

يقدَّر عدد سكان غزة بنحو 2.2 مليون نسمة، جميعهم تقريبًا نزحوا خلال الحرب الأخيرة، في واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية التي شهدها العالم المعاصر، وفق الأمم المتحدة.

العودة كانت مشوبة بالقلق، إذ يخشى السكان من تكرار العمليات العسكرية، خاصة أن كثيرًا من المناطق التي انسحب منها الاحتلال لا تزال ملوثة بالألغام والمخلفات الحربية، ما جعل مشهد “الانسحاب” بالنسبة للفلسطينيين أقرب إلى هدنة هشة لا إلى نهاية حرب.

إدارة أمريكية من وراء الستار

زيارة ويتكوف لم تكن الأولى من نوعها، بل تأتي ضمن سلسلة تحركات أمريكية مكثفة لتثبيت ما تسميه واشنطن “اتفاق غزة الجديد”، وهو الاتفاق الذي تم بوساطة مباشرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفريقه المقرّب، الذي يضم أيضًا صهره جاريد كوشنر.

صحيفة تايمز أوف إسرائيل كشفت أن ويتكوف وكوشنر كانا من مهندسي الاتفاق منذ المراحل الأولى، وأن حضورهما داخل جلسات الحكومة الإسرائيلية أثناء التصويت على الاتفاق “يؤكد الدور الأمريكي العميق في صياغة التفاهمات”، فيما وصفت القناة 12 العبرية هذا الحضور بأنه “تدخّل مباشر لضمان التزام الحكومة الإسرائيلية بالمسار المتفق عليه”.

الخطورة، كما يرى محللون، لا تكمن في الوجود الأمريكي بحد ذاته، بل في طبيعة هذا الوجود؛ إذ يبدو أن واشنطن لا تكتفي بالوساطة، بل تمارس وصاية كاملة على مجريات الأحداث، بدءًا من التفاهمات السياسية ووصولًا إلى التحركات الميدانية.

تجسيد للانحياز التاريخي

زيارة ويتكوف الميدانية إلى غزة أثارت موجة انتقادات واسعة في الأوساط العربية والدولية، باعتبارها تجسيدًا جديدًا للانحياز الأمريكي التاريخي لإسرائيل.

فبينما تكتفي واشنطن بدعوات عامة إلى “وقف العنف” و”احترام حقوق المدنيين”، فإنها في الواقع تدير خيوط العملية العسكرية والسياسية من قلب الميدان، وتؤمن الغطاء السياسي والدبلوماسي الكامل لحكومة بنيامين نتنياهو.

يرى مراقبون أن هذا الانحياز لم يعد مجرد موقف سياسي، بل تحوّل إلى بنية ثابتة في السياسة الأمريكية، خصوصًا بعد اندماج مصالح تل أبيب وواشنطن في ملفات تتعلق بمستقبل الغاز في شرق المتوسط، والتوازن مع إيران، وصفقات التطبيع الجديدة في المنطقة.

غزة بين الأمل والخيبة

ورغم أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته واشنطن حمل وعودًا كبيرة للفلسطينيين، فإن المشهد الميداني يوحي بواقع مغاير. فعمليات الإعمار متوقفة، والمساعدات الإنسانية محدودة، فيما تواصل إسرائيل فرض قيودها الأمنية، وتمنع عودة آلاف العائلات إلى مناطقها الأصلية.

ويرى محللون أن “الهدوء النسبي” الحالي ليس سوى استراحة مؤقتة بانتظار مرحلة تفاوضية أكثر تعقيدًا، خصوصًا أن الاحتلال لا يزال يسيطر فعليًا على أكثر من نصف مساحة القطاع، رغم انسحابه الشكلي إلى الخط الأصفر.

خاتمة: أمريكا في موقع الخصم لا الوسيط

بذلك، تبدو واشنطن في هذه المرحلة طرفًا فاعلًا أكثر منها وسيطًا نزيهًا. فالمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف لا يتصرف كمراقب دولي يسعى لحل النزاع، بل كمسؤول يتابع تنفيذ خطة وضعتها الإدارة الأمريكية سلفًا لخدمة مصالح إسرائيل.

وبينما يواصل الفلسطينيون معركتهم للبقاء وسط ركام الحرب، يبدو أن الميدان ذاته بات ساحةً لعرض النفوذ الأمريكي ـ الإسرائيلي المشترك، في مشهد يلخص حقيقة “الوساطة” الأمريكية التي تخلط بين دور الدبلوماسي ودور الحاكم العسكري في آن واحد.

اقرأ أيضًا : مئات الآلاف في شوارع لندن يهتفون لغزة: “لن نصمت حتى تتحقق العدالة”