شهدت العاصمة البريطانية لندن، اليوم السبت، مسيرة حاشدة شارك فيها مئات الآلاف من المتظاهرين من مختلف الأعراق والديانات، في أكبر تظاهرة تشهدها البلاد منذ بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة قبل عامين، رفعوا خلالها الأعلام الفلسطينية ورددوا شعارات تطالب بإنهاء الاحتلال ومحاسبة مجرمي الحرب.
المسيرة التي امتدت من “هايد بارك” حتى “وايتهول” أمام مقر الحكومة البريطانية، جاءت لتؤكد أن قضية فلسطين ما زالت حية في ضمير الأحرار رغم محاولات إسكاتها أو تشويهها.

تحرك شعبي واسع ضد الصمت الدولي
خرجت الحشود الغفيرة ترفع لافتات كتب عليها “أوقفوا الإبادة في غزة”، و”الحرية لفلسطين”، و”لن نصمت حتى تتحقق العدالة”، في مشهد يعكس تصاعد الغضب الشعبي تجاه استمرار معاناة الفلسطينيين تحت الحصار والعدوان.
تزامنت المسيرة مع الذكرى الثانية للحرب الإسرائيلية التي خلّفت أكثر من 67 ألف شهيد وجريح، ودمارًا واسعًا في البنية التحتية، وسط استمرار القيود الإسرائيلية على دخول المساعدات الإنسانية.
ووفقًا للمنظمين، فإن المسيرة تأتي في إطار فعاليات أوروبية موحدة، تهدف إلى “فضح ازدواجية المعايير الغربية، وإبقاء القضية الفلسطينية في صدارة الرأي العام العالمي”.
وقال بيان صادر عن المنتدى الفلسطيني في بريطانيا إن المظاهرة “تعبيرٌ عن الرفض الشعبي للظلم المستمر منذ عقود، وتجديدٌ للعهد بمواصلة النضال من أجل الحرية والكرامة”.
الأحرار يرفعون الصوت من أجل غزة
في مشهد مؤثر، علت الهتافات التي تمجد صمود الفلسطينيين في وجه العدوان، وشارك في التظاهرة نشطاء بريطانيون وأوروبيون وعرب ويهود مناهضون للصهيونية، حملوا صور الأطفال الشهداء من غزة، ونعوشًا رمزية كتبت عليها أسماء المدن المدمرة مثل رفح وخان يونس وجباليا.
وقال أحد المتظاهرين البريطانيين: “نحن هنا لأننا نرفض أن تُقصف غزة باسمنا وبأموال ضرائبنا”، في إشارة إلى دعم الحكومة البريطانية لإسرائيل بالسلاح والمواقف السياسية.
أما الطالبة المسلمة “أمل حسين” التي جاءت من مدينة مانشستر للمشاركة، فقالت: “أنا هنا لأقول إننا لن نصمت، لأن الصمت مشاركة في الجريمة”. وأضافت: “هذه المسيرات هي ضمير الإنسانية، وسنواصلها حتى يتحقق العدل للفلسطينيين”.
وشارك في الفعالية عدد من النواب والناشطين الحقوقيين، الذين دعوا الحكومة البريطانية إلى التوقف عن تزويد إسرائيل بالسلاح وإلى الاعتراف الفوري بدولة فلسطين، معتبرين أن “السكوت على جرائم الاحتلال عار على الغرب بأسره”.
زاهر بيراوي: لن يتحقق السلام إلا بزوال الاحتلال
وفي كلمة ألقاها رئيس المنتدى الفلسطيني في بريطانيا، زاهر بيراوي، أمام الحشود، قال إن “وقف إطلاق النار الهش لا يعني السلام، لأنه لا يعالج جذور المأساة، وهي الاحتلال والاستعمار والحصار”.
وأضاف: “نحن هنا اليوم لنجدد العهد مع فلسطين، ولنؤكد أن العدالة لن تتحقق إلا عندما ينال شعبنا حريته، ويُرفع الحصار عن غزة، ويُحاكم المجرمون الذين ارتكبوا جرائم الحرب”.
وشدد بيراوي على أن “السكوت على الظلم لا يصنع سلامًا، وأن التضامن العالمي يجب أن يستمر حتى تنتهي معاناة الفلسطينيين”، داعيًا إلى استمرار الضغط الشعبي والإعلامي على الحكومات الغربية لتغيير مواقفها المنحازة لإسرائيل.
أربع خطوات لتحرك شعبي متجدد
أوضح المنتدى الفلسطيني في بيانه أن مظاهرة لندن الكبرى تمثل بداية مرحلة جديدة من التحرك الشعبي في أوروبا والعالم، قائمة على أربع أولويات:
-
الضغط السياسي والدبلوماسي: لمطالبة بريطانيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة باتخاذ إجراءات قانونية ودبلوماسية ضد جرائم الاحتلال، وفرض عقوبات على المسؤولين الإسرائيليين المتورطين في الحرب على غزة.
-
تمكين الفلسطينيين في إعادة الإعمار: عبر دعم الجهود الفلسطينية المستقلة في إعادة بناء ما دمره العدوان، ورفض الوصاية أو التدخلات السياسية التي تقيّد الإعمار.
-
إبقاء القضية الفلسطينية حية في الإعلام: من خلال الحملات الرقمية والفعاليات الثقافية التي تعزز وعي الشعوب الغربية بمعاناة الفلسطينيين.
- توسيع التضامن الدولي: بربط النضال الفلسطيني بحركات التحرر ومناهضة العنصرية والاستعمار في مختلف أنحاء العالم.
الحرية لفلسطين.. وعدٌ يتجدد
واختُتمت المسيرة بدقيقة صمت على أرواح الشهداء، قبل أن يهتف الحشد بصوتٍ واحد: “من لندن إلى غزة.. الحرية قادمة”.
وأكد المنظمون أن هذه التظاهرة ليست مجرد ذكرى أو رد فعل على الحرب، بل هي استمرار لمعركة الوعي ضد التزييف الإعلامي ومحاولات تطبيع الاحتلال.
وجاء في البيان الختامي: “نحن مدينون للشهداء والأطفال ولكل من صمد في وجه العدوان، ونعاهدهم أن نحول الذكرى إلى فعل حتى التحرير الكامل لفلسطين، وعاصمتها القدس”.
بهذا المشهد، أكدت لندن اليوم أن الأحرار حول العالم لا يمكن إسكات أصواتهم، وأن عدالة القضية الفلسطينية ما زالت قادرة على توحيد الملايين، رغم محاولات التطبيع والتواطؤ الدولي. فبين هتاف “الحرية لغزة” وصرخة “لن نصمت حتى تتحقق العدالة”، بدا واضحًا أن صوت الشارع العالمي أقوى من جدران الصمت التي تبنيها الحكومات، وأن فلسطين لا تزال القضية الأخلاقية الأولى في ضمير الإنسانية.
اقرأ أيضًا : محاولات ترامب لفرض وصاية على غزة تفشل أمام وحدة الفصائل الفلسطينية