تدخل البحرين هذا الأسبوع قاعة المحكمة العليا البريطانية وهي تحاول حماية نفسها من واحدة من أخطر القضايا التي تلاحقها خارج حدودها: زرع برامج تجسس داخل أجهزة معارضين سياسيين يقيمون في لندن. النظام البحريني يريد من المحكمة أن تمنحه حصانة سيادية شاملة، تعفيه من أي مسؤولية قانونية، رغم أن الاختراق استهدف أجهزة موجودة داخل الأراضي البريطانية، وفي انتهاك مباشر لسيادتها.
القضية التي يواجهها النظام ليست تقنية ولا إجرائية؛ إنها اتهام واضح باستخدام تكنولوجيا تجسس متقدمة ضد معارضين سياسيين داخل دولة أجنبية. الدكتور سعيد الشهابي والناشط موسى محمد يؤكدان أن جهازَي الكمبيوتر الخاصين بهما أُصيبا عام 2011 ببرنامج التجسس الألماني FinFisher، وهو أحد أكثر أدوات المراقبة اختراقًا وفتكًا بالخصوصية الرقمية.
هذا البرنامج لا يكتفي بسرقة الملفات، بل يحوّل الجهاز بالكامل إلى غرفة مراقبة، يسجل كل شيء:
ضربات لوحة المفاتيح، المكالمات، الرسائل، البريد الإلكتروني، الصور، الفيديوهات، وحتى الصوت الحي من الميكروفون والكاميرا. باختصار، يضع حياة الشخص كلها تحت سيطرة الجهة التي نفذت الاختراق — والاتهامات تشير مباشرة إلى البحرين.
المحاكم البريطانية: ما حدث جريمة وقعت داخل المملكة المتحدة
المحكمة العليا ثم محكمة الاستئناف كانتا واضحتين: التلاعب بجهاز داخل بريطانيا يُعد فعلًا وقع داخل بريطانيا.
حتى لو جرى تشغيل برنامج التجسس من خارجها، فالنتيجة واحدة: اعتداء على السيادة البريطانية، وإصابة نفسية موثقة للضحايا، وهو ما يندرج ضمن استثناء “الإصابة الشخصية” الذي يسقط حصانة الدول المعتدية.
القضاة لم يكتفوا بالنظر في الادعاءات؛ بل اعتمدوا على خبراء أكدوا أن أجهزة الضحيتين تعرضت فعلًا للاختراق بواسطة برنامج تجسس، وأن العملية نُفذت من قبل البحرين أو وكلائها. ورغم الإنكار الرسمي من المنامة، إلا أن الأدلة التقنية قدمت صورة أوضح بكثير من تصريحات السياسة.
معارضون بحرينيون في لندن… لاجئون من القمع إلى المراقبة
سعيد الشهابي، أحد مؤسسي جمعية الوفاق المعارضة، رحّب بإحالة القضية إلى المحكمة العليا، مؤكدًا أن الوصول إلى هذا المستوى من التقاضي خطوة مهمة في مواجهة الحكومات التي تطارد معارضيها حتى في منافيهم.
أما موسى محمد، الذي فرّ من البحرين عام 2006 بعد اعتقالات متكررة، فيرى أن ما تعرض له ليس مجرد اختراق تقني، بل تدمير لحياته الشخصية وكل من وثق به. ويصف القضية بأنها جزء من حملة قمع عابرة للحدود تهدف إلى إخضاع المعارضين حتى خارج البحرين.
كلا الرجلين جُرّد من الجنسية البحرينية، في خطوة تكررت مع مئات المعارضين كجزء من “تأديب سياسي” اعتمده النظام خلال العقد الأخير.
البحرين تحارب أمام أعلى سلطة قضائية… لأن السمعة على المحك
خسرت البحرين معركتَي الحصانة أمام المحكمة العليا ومحكمة الاستئناف. انتقالها إلى المحكمة العليا البريطانية يعكس رعبها من تداعيات هذه القضية، لأنها تكشف جوهر ممارسات النظام خارج حدوده:
التجسس، الملاحقة، ترهيب المعارضين، ومحاولة الاختباء خلف الحصانة الدبلوماسية.
انتصار البحرين في هذه الدعوى سيشكّل كارثة حقوقية، لأنه سيمنح الأنظمة السلطوية الضوء الأخضر لاستخدام برامج التجسس لاستهداف معارضيها داخل بريطانيا دون خوف من المحاسبة.
أما هزيمتها، فسوف تُرسّخ مبدأ مهم: لا حصانة لدولة تستخدم أدوات التجسس لاضطهاد معارضيها على أرض بلد آخر.
قضية ليست تقنية… بل اختبار للصراع بين القمع والعدالة
الجلسة التي تبدأ الأربعاء لن تبحث مقدار التعويضات ولا حجم الضرر، بل مسألة واحدة فقط:
هل يملك المعارضان الحق في مقاضاة البحرين؟ إما أن ينتصر القانون… أو تنتصر “الحصانة” التي تستخدمها الأنظمة لقمع من يعارضها، حتى لو كانوا يعيشون في قلب لندن.
النتيجة لن تخص رجلَين فقط، بل ستحدد مستقبل كيفية تعامل بريطانيا مع قضايا التجسس الأجنبي، والقمع العابر للحدود، والعلاقات مع الأنظمة التي تستهدف معارضيها خارج حدودها.
والبحرين، التي بنت سجلًا طويلًا في قمع الأصوات داخلها، تُظهِر اليوم استعدادًا لمدّ هذا القمع إلى كل مكان يمكن أن تصل إليه تقنيًا.