في مشهد يُعيد تكرار لغة الحرب والتعبئة العسكرية، أطلّ رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، عبد الفتاح البرهان، بتصريحات حادة من قرية “ود النورة” بولاية الجزيرة، متوعداً “قوات الدعم السريع” بـ”الدحر الكامل” في دارفور، ومؤكداً على استمرار القتال حتى “استئصال التمرد”.
الزيارة، التي جاءت في ذكرى المجزرة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في المنطقة، حملت دلالات رمزية تؤكد أن المعركة لم تنتهِ، وأن دارفور لا تزال بؤرةً للصراع المفتوح.
لكن خلف هذا المشهد المحلي، يبرز البعد الإقليمي والدولي للصراع، وسط اتهامات متزايدة للإمارات بتأجيج الحرب عبر دعم قوات الدعم السريع، في مسار بات يهدد وحدة السودان ويطيل أمد الكارثة الإنسانية.

دارفور تحت النار: معركة الفاشر ومحاولة كسر آخر المعاقل
منذ أكثر من عام، أصبحت مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، عنواناً لصمود ما تبقى من الجيش السوداني في الإقليم. بعد سقوط أربع من ولايات دارفور تحت سيطرة قوات الدعم السريع، تحوّلت الفاشر إلى معقل أخير للمقاومة، يخوض فيه الجيش معارك طاحنة وسط حصار خانق. تقارير ميدانية تشير إلى تدهور كارثي في الوضع الإنساني بالمدينة، مع تصاعد خطر المجاعة وتفشي وباء الكوليرا، في ظل انقطاع الإمدادات ومحدودية وصول المساعدات.
قوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، مدعومة بعناصر من المرتزقة وكيانات أجنبية، تواصل محاولاتها لكسر دفاعات الجيش واقتحام المدينة، لكنها تواجه مقاومة شرسة من الجيش وقوات محلية مكونة من الأهالي والمتطوعين، ضمن تحالفات مجتمعية لا تُستهان بها.
وتكتسب الفاشر اليوم أهمية استراتيجية، فهي لم تعد مجرد مدينة، بل “رمز للشرعية” في دارفور، وانهيارها سيعني انتصارًا سياسيًا وعسكريًا للدعم السريع، والعكس صحيح.
الخريطة العسكرية تتغير: تراجع الدعم السريع وتقدم الجيش
تشير أحدث المؤشرات الميدانية إلى تقلص المساحات الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع لصالح الجيش السوداني. بعد أن كان الدعم السريع يسيطر على غالبية ولايات السودان، بدأت هذه السيطرة تتآكل تدريجيًا. ففي مارس الماضي، أعلن الجيش السوداني استعادة كامل ولاية الجزيرة، في ضربة معنوية وعسكرية كبيرة لقوات حميدتي. كما أحرز الجيش تقدمًا نوعيًا في ولايتي الخرطوم والنيل الأبيض.
حالياً، لم تعد “الدعم السريع” تسيطر سوى على أجزاء من ولايتي شمال وغرب كردفان، وجيوب في جنوب كردفان والنيل الأزرق، بالإضافة إلى 4 من ولايات دارفور. هذا التراجع الميداني أربك حسابات الدعم السريع، الذي كان يراهن على الحسم السريع منذ بداية الحرب في أبريل 2023.
في المقابل، يبدو أن الجيش السوداني، رغم الصعوبات، قد بدأ في امتصاص الضربات الأولى وبدأ هجومًا معاكسًا، بدعم من مجتمعات محلية وقوات احتياطية أعيد تنظيمها.
الدور الإماراتي: تسليح، تمويل، وتأجيج مستمر للصراع
ما لا يمكن فصله عن المشهد الميداني هو الدور الذي تلعبه دولة الإمارات العربية المتحدة في تأجيج هذه الحرب. تقارير استخباراتية وصحفية غربية متعددة أكدت خلال الشهور الماضية أن أبو ظبي وفّرت قنوات دعم لوجستي وتسليحي لقوات الدعم السريع، عبر إرسال شحنات أسلحة وذخائر من ليبيا وتشاد، إضافة إلى تمويل مالي مباشر يُعتقد أنه استُخدم لتجنيد مرتزقة من أفريقيا الوسطى ومالي والنيجر.
ورغم نفي الإمارات الرسمي، إلا أن استمرار تدفق الدعم عبر شركات خاصة وواجهات تجارية يشير إلى دورها غير المباشر في إطالة أمد الصراع، والذي أدّى إلى مقتل أكثر من 20 ألف شخص ونزوح أكثر من 15 مليونًا وفق تقارير أممية، بينما تقدر دراسات جامعية أمريكية عدد القتلى بنحو 130 ألفًا.
يأتي هذا الدعم الإماراتي في سياق طموحات أبو ظبي الإقليمية لبسط نفوذها في منطقة البحر الأحمر وغرب أفريقيا، من خلال وكلاء محليين مثل قوات الدعم السريع. وهو ما يثير تساؤلات عن أهداف الإمارات الحقيقية في السودان: هل هو دعم “الاستقرار” كما تدّعي، أم إعادة تشكيل السودان على الطريقة الليبية؟
خاتمة: نحو مزيد من التصعيد أم مخرج سياسي؟
تصريحات البرهان الأخيرة تكشف أن لا نية للتهدئة في الأفق القريب، وأن منطق الحرب لا يزال هو السائد، في ظل فشل كافة المبادرات الإقليمية والدولية لوقف القتال. ومع استمرار تدفق السلاح والدعم لقوات الدعم السريع من أطراف إقليمية، وعلى رأسها الإمارات، فإن الحرب في دارفور مرشحة لمزيد من التصعيد، وربما التفكك الاجتماعي والمجتمعي.
في ظل هذه المعطيات، تبقى الحاجة مُلحّة لضغط دولي أكثر جدية، وإجبار الأطراف الداعمة على وقف تمويل القتال، قبل أن يتحول السودان إلى ساحة صراع شاملة لا يمكن احتواؤها لعقود مقبلة.
اقرأ أيضًا : نابلس تقاوم.. وتهجير بدوي صامت يبتلع الضفة وسط غياب سلطة عباس