في خطوة تعكس التباين العميق بين العنجهية الأمريكية والمبادرات العربية بشأن إعادة إعمار غزة، أعلن البيت الأبيض رفضه للخطة التي تبنتها الجامعة العربية يوم الثلاثاء، واصفًا إياها بأنها لا تقدم حلولًا حقيقية للأزمة الإنسانية المتفاقمة في القطاع.
وفقًا لما صرح به المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي، بريان هيوز، فإن الخطة المصرية “لا تعالج حقيقة أن غزة غير صالحة للسكن حاليًا، ولا يمكن للسكان العيش فيها بكرامة وسط الأنقاض والذخائر غير المنفجرة”.
تأتي هذه التصريحات في وقت يزداد فيه الوضع الإنساني في غزة سوءًا، حيث لا تزال البنية التحتية مدمرة بفعل القصف الإسرائيلي المستمر، فيما تواجه الأمم المتحدة صعوبات في إيصال المساعدات إلى السكان المحاصرين.
وبحسب المتحدث باسم مجلس الأمن القومي، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يزال ملتزمًا برؤيته الخاصة بإعادة إعمار غزة، والتي تقوم على شرط رئيسي وهو أن تكون “خالية من حماس”.
وأضاف هيوز أن الولايات المتحدة “تتطلع إلى مزيد من المحادثات” حول هذه القضية، ما يعني أن واشنطن لن تدعم أي خطة عربية أو دولية ما لم تكن متوافقة مع سياستها الرامية إلى إقصاء المقاومة الفلسطينية عن أي مشهد مستقبلي في غزة.
تهميش للجامعة العربية
يرى مراقبون أن الموقف الأمريكي يأتي في سياق استراتيجية أوسع تعمل عليها إدارة ترامب، تقوم على فرض أجندتها على المنطقة، سواء فيما يتعلق بإعادة الإعمار أو بمسار الصراع الفلسطيني مع الاحتلال.
هذه السياسة تتقاطع بشكل كبير مع سياسات تل أبيب، التي لطالما طالبت بإعادة إعمار غزة تحت إشراف دولي مع إقصاء تام لحركة حماس، وهو ما تسعى واشنطن إلى تحقيقه عبر استخدام نفوذها الاقتصادي والسياسي.
هذا الرفض الأمريكي للخطة المصرية لم يكن مفاجئًا، خاصة بعد سلسلة من المواقف التي عكست توجّه الإدارة الأمريكية نحو فرض رؤيتها على العالم العربي، بدءًا من سياسات “صفقة القرن” وحتى موقفها من التطبيع العربي-الإسرائيلي.
ورغم محاولات السيسي الهروب من ضغوط ترامب عبر تقديم مبادرات تتعلق بملف غزة، فإن إدارة ترامب تتعامل مع هذه المبادرات بمنطق “القبول المشروط”، أي أنها لن توافق على أي طرح مصري أو عربي إلا إذا كان يتماشى تمامًا مع أولويات البيت الأبيض.
ترامب وخطابه الأطول: استعراض للقوة ورسائل للمنطقة
في سياق متصل، ألقى الرئيس الأمريكي أطول خطاب في تاريخ الولايات المتحدة خلال جلسة مشتركة للكونغرس، حيث استعرض فيه “إنجازات إدارته”، متحدثًا عن الاقتصاد الأمريكي، وتصعيده في حرب الجمارك، ورؤيته لمحادثات السلام في أوكرانيا.
كما لم يتردد في استعراض طموحاته للسيطرة على جزيرة غرينلاند، في إشارة إلى رغبته في توسيع النفوذ الأمريكي بشتى الطرق.
وفي خطابه، وصف ترامب أداء إدارته بأنه غير مسبوق، قائلًا: “لقد عاد الزخم والروح والفخر والثقة إلى أمريكا”، مشيرًا إلى أن إنجازاته خلال فترة ولايته الثانية تجاوزت ما حققته إدارات أمريكية سابقة على مدى ثماني سنوات. وأضاف متفاخرًا: “لقد حققنا في 43 يومًا فقط أكثر مما حققته معظم الإدارات السابقة في أربع أو حتى ثماني سنوات”.
هذه العبارات التي تعكس نزعة ترامب إلى تضخيم إنجازاته تكررت في أكثر من مناسبة، حيث يسعى دائمًا إلى تقديم نفسه كقائد فريد أعاد لأمريكا قوتها وهيبتها.
لكن المثير في خطاب ترامب لم يكن فقط استعراض إنجازاته، بل الرسائل التي أطلقها تجاه العالم العربي، حيث بدا وكأنه يمارس هيمنة غير مسبوقة على المنطقة، فتصريحاته تعكس تصوره بأن الولايات المتحدة لديها “الحق المطلق” في فرض رؤيتها على حلفائها العرب.
واشنطن تفرض رؤيتها والقاهرة في مأزق
في ضوء هذا الموقف الأمريكي، تبدو القاهرة في وضع حرج، إذ تجد نفسها عالقة بين سعيها الحفاظ على الجبهة الداخلية والخوف من الغضب الشعبي، وبين إصرار واشنطن على فرض أجندتها الخاصة.
هذا الرفض العلني للخطة المصرية يعكس التراجع المستمر لنفوذ الجامعة العربية في حل الأزمات الإقليمية، حيث باتت القرارات الفعلية تُتخذ في العواصم الغربية، وليس في مقرات الجامعة.
وفي الوقت الذي تواصل فيه واشنطن فرض شروطها على إعادة إعمار غزة، يبقى السؤال: إلى أي مدى يمكن للقاهرة أن تتحدى هذا التوجه، خاصة وأنها تعتمد على المساعدات الأمريكية وتحتاج إلى دعم واشنطن في ملفات أخرى مثل الاقتصاد والأمن؟ الإجابة على هذا السؤال قد تتضح في الأسابيع المقبلة، حيث ستكشف المواقف المصرية الرسمية ما إذا كانت القاهرة قادرة على المناورة، أم أنها ستجد نفسها مجبرة على التراجع والقبول بالشروط الأمريكية، ولو على حساب مصالحها الاستراتيجية في غزة والمنطقة ككل.