قرار المحكمة العليا الإسرائيلية الأخير، بالسماح للحكومة بمواصلة منع دخول الصحفيين الأجانب إلى قطاع غزة، ليس مجرد إجراء إداري بل خطوة سياسية ممنهجة تهدف إلى طمس الحقيقة وحجب الجرائم التي تُرتكب بحق المدنيين الفلسطينيين منذ اندلاع العدوان في أكتوبر 2023.
القرار الذي رفضه المكتب الإعلامي الحكومي في غزة بشدة، يُعدّ – وفق بيانه – تجسيدًا واضحًا لسياسة التعتيم الإعلامي التي تمارسها إسرائيل منذ بداية الحرب، بهدف منع العالم من رؤية حجم الدمار والفظائع التي ارتكبتها قواتها.
“خوف من الحقيقة”.. رواية غزة
في بيانه، أكد المكتب الإعلامي أن الاحتلال يسعى بكل الوسائل إلى “وأد الحقيقة ودفن الشهود”، مشيرًا إلى أن دخول الصحافة الأجنبية إلى غزة سيقوّض الرواية الإسرائيلية بالكامل.
وأوضح أن المراسلين الأجانب، لو سُمح لهم بالدخول المستقل إلى القطاع، سيكشفون الجرائم التي حاولت إسرائيل إخفاءها، من قصف المدنيين، واستهداف المستشفيات، إلى تدمير البنية التحتية ومخيمات النازحين.
وأضاف البيان أن الاحتلال يخشى الكاميرا كما يخشى المحاسبة، فكل عدسة تُفتح في غزة تفضح أكاذيبه أمام الرأي العام العالمي.
استراتيجية قديمة بثوب جديد
حظر الصحفيين الأجانب عن غزة ليس خطوة استثنائية، بل امتداد لسياسة إسرائيلية متكررة منذ الانتفاضة الثانية.
لكن هذه المرة، التعتيم اتخذ بُعدًا غير مسبوق؛ إذ دخل عامه الثالث على التوالي منذ اندلاع حرب الإبادة، دون أي وصول مستقل للصحفيين الدوليين.
الاحتلال يسمح فقط لبضعة مراسلين مختارين بمرافقة جيشه داخل القطاع، تحت رقابة عسكرية صارمة، حيث يتم التحكم في ما يُصوّر وما يُنشر، ما يجعل التغطية أقرب إلى دعاية رسمية لا إلى عمل صحفي مهني.
كسر الصورة.. مهمة الإعلام الفلسطيني
رغم الحصار الإعلامي، لم تستطع إسرائيل منع الصورة من الخروج إلى العالم.
فمن قلب الركام، نقل الصحفيون الفلسطينيون – بأرواحهم – مشاهد الدمار والمجازر.
وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فقد استُشهد 255 صحفيًا فلسطينيًا وأُصيب عشرات آخرون خلال عامين من الحرب، ما يجعل استهدافهم سياسة متعمدة لإسكات الشهود.
وبينما تُمنع الكاميرات الأجنبية، يُقتل حَمَلة الكاميرات المحلية، في محاولة مزدوجة لطمس الحقيقة داخليًا وخارجيًا.
ازدواجية الغرب وصمت المؤسسات الدولية
قرار المحكمة العليا الإسرائيلية أثار خيبة أمل كبيرة في رابطة الصحافة الأجنبية في إسرائيل، لكنه لم يرافقه أي موقف حازم من الحكومات الغربية أو المنظمات الدولية الكبرى.
رغم الدعوات المتكررة من الاتحاد الدولي للصحفيين ومقرر الأمم المتحدة لحرية التعبير بضرورة فتح القطاع أمام التغطية المستقلة، فإن الموقف الدولي ظل محدودًا في بيانات الإدانة، دون أي ضغط فعلي على تل أبيب.
هذا الصمت يعكس ازدواجية فاضحة في تعامل الغرب مع قضايا حرية الصحافة، إذ يُدافع عنها في أماكن أخرى بينما يتجاهل قمعها عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.
الحقيقة المحاصَرة
الاحتلال يدرك أن السيطرة على الصورة تعني السيطرة على السردية، ولهذا يسعى إلى أن تكون روايته هي الوحيدة التي تصل للعالم.
لكن في عصر الإعلام الرقمي والهواتف المحمولة، لم يعد من الممكن إخفاء الجرائم كما كان في الماضي.
فكل فيديو يوثّقه صحفي فلسطيني في غزة – قبل أن يُقتل أو يُصاب – يصبح شاهدًا رقميًا خالدًا في وجه آلة التضليل الإسرائيلية.
ختامًا: التعتيم لن يحجب الجريمة
منع دخول الصحفيين الأجانب إلى غزة هو جريمة ضد حرية الصحافة وحق العالم في المعرفة، كما وصفها المكتب الإعلامي الحكومي.
إنه تأكيد جديد على أن الاحتلال لا يخشى فقط المقاومة، بل يخشى الحقيقة نفسها.
فمن يملك ما يخفيه، يمنع الكاميرا من الدخول.
لكن الحقيقة، مهما حوصرت، تشق طريقها دائمًا عبر ركام الدمار وعدسات الشجعان الذين يصرون على أن تبقى غزة مرئية أمام ضمير العالم.
اقرأ أيضا: ترامب وبلير.. وجهان لوصاية استعمارية جديدة على غزة