في مشهد يعيد إلى الأذهان تاريخ التدخلات الغربية في الشرق الأوسط، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال زيارته إلى المنطقة بالتزامن مع بدء سريان وقف إطلاق النار في غزة، أن الدور المحتمل لتوني بلير في إدارة مرحلة ما بعد الحرب “قيد النقاش”. 

وصرّح ترامب أمام الصحفيين قائلاً: “أحب توني، لقد أحببته دائمًا، لكني أريد التأكد من أنه مقبول من الجميع”. 

هذه العبارة التي حاولت الظهور بمظهر الحياد تخفي خلفها محاولة جديدة لتدويل إدارة غزة وإعادة إخضاعها لوصاية غربية بواجهة “إنسانية” و“سياسية”، فيما يرى مراقبون أن واشنطن تمهّد عبرها لصفقة اقتصادية – أمنية تعيد إنتاج الاحتلال بثوب جديد.

توني بلير.. الوجه العتيق للاستعمار الجديد

يُعد توني بلير أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل في العالم العربي منذ توليه منصب المبعوث الخاص للجنة الرباعية الدولية في الشرق الأوسط عام 2007، وهو الدور الذي فشل فيه فشلًا ذريعًا في تحقيق أي تقدّم نحو السلام، بينما انشغل بعقد صفقات مالية واستشارية مع أنظمة استبدادية في المنطقة، من بينها السعودية والإمارات ومصر. بلير الذي يُقدّمه ترامب اليوم كـ“رجل المرحلة” هو ذاته الذي مهّد لغزو العراق، وغطّى جرائم الحرب الأميركية – البريطانية تحت ذريعة “الحرية والديمقراطية”. لذلك، فإن مجرد طرح اسمه لإدارة “مرحلة ما بعد الحرب” في غزة يُعد إهانة لدماء الفلسطينيين الذين سقطوا تحت القصف الإسرائيلي، واستفزازًا لمشاعر الشعوب العربية التي لم تنسَ بعد ماضيه الأسود في المنطقة.

قمة شرم الشيخ.. غطاء سياسي لتطبيع الاحتلال

لم يكن حضور بلير قمة شرم الشيخ إلى جانب ترامب ومسؤولين إسرائيليين سوى تأكيد على أن القمة التي وُصفت بأنها “لترسيخ وقف إطلاق النار” لم تكن سوى اجتماع لتثبيت الأمر الواقع الذي فرضه الاحتلال على الأرض. ففي الوقت الذي يواصل فيه الجيش الإسرائيلي خرق الهدنة في غزة، كانت القاهرة تستضيف لقاءات مغلقة بين وفود أميركية وإسرائيلية ومصرية لمناقشة “إعادة إعمار غزة” وفق خطة ترامب، التي تضع تحت إشرافها المباشر المعابر والتمويل والمساعدات، بما يضمن لإسرائيل السيطرة غير المباشرة على القطاع. أما بلير، فدوره المقترح ليس أكثر من واجهة “دبلوماسية” لتجميل الاحتلال وإعطاء الانطباع بوجود إدارة مدنية “محايدة”، بينما الواقع يقول إنّ واشنطن وتل أبيب تبحثان عن وكيل غربي يضبط القطاع ويكبح أي عودة للمقاومة.

مصر الرسمية.. تطبيع تحت شعار “الوساطة”

رغم ما يثيره اسم بلير من رفض في الشارع العربي، فإن القاهرة الرسمية لم تُبدِ أي اعتراض على طرحه، بل شاركت في تسويقه ضمن خطاب “الاستقرار والتنمية”، في استمرار لنهج التطبيع الذي يتبعه النظام المصري منذ توقيع اتفاقيات الغاز مع الاحتلال وفتح قنوات أمنية مشتركة تحت غطاء الوساطة. لكن المفارقة أن هذا “الاستقرار” لا يُترجم إلا إلى مزيد من الخنق لقطاع غزة، حيث يبقى معبر رفح مغلقًا في وجه المدنيين بينما تُفتح أبوابه أمام الوفود الأمنية الإسرائيلية. وهكذا يجد الفلسطينيون أنفسهم بين فكي كماشة: احتلال يُدمّر ويقتل من جهة، ووصاية إقليمية تُسهم في فرض العزلة عليهم من جهة أخرى.

مشروع السيطرة المقنّعة على غزة

تسعى إدارة ترامب – وفق ما تؤكده مصادر دبلوماسية – إلى إنشاء “هيئة انتقالية لإدارة غزة” تضم شخصيات دولية وإقليمية، يكون بلير أحد وجوهها البارزة، على أن تتولّى هذه الهيئة الإشراف على إعادة الإعمار والأمن والمساعدات. وبذلك، يتحوّل القطاع إلى منطقة مراقبة تحت سلطة مشتركة، تُدار من الخارج بتمويل عربي وإشراف غربي. هذا النموذج – الذي يُذكّر بتجربة بول بريمر في العراق – ليس سوى احتلال جديد بأدوات مدنية، هدفه تفريغ المقاومة من مضمونها وتحويل غزة إلى منطقة منزوعة السلاح والقرار.

ازدواجية الخطاب الأميركي وفضيحة “الإنقاذ”

بينما يتحدث ترامب عن “السلام” و“الفرص الاقتصادية”، تواصل طائرات الاحتلال انتهاك الهدنة، وتغلق إسرائيل المعابر وتمنع دخول المساعدات. ومع ذلك، تصرّ واشنطن على تقديم نفسها كوسيط نزيه. بل إن حديث ترامب عن “التحقق من قبول بلير لدى الجميع” ليس إلا محاولة لتغطية التحالف الأميركي – الإسرائيلي – البريطاني القديم، الذي لطالما تعامل مع المنطقة كمزرعة مصالح لا كشعوب لها سيادة. واللافت أن الإعلام الأميركي يروّج لفكرة أن وجود بلير سيمنح “الثقة” للفلسطينيين، وكأن ذاكرة الشعوب قد مُسحت من جرائم الاحتلال ومن تواطؤ لندن وواشنطن في تبريره.

خلاصة المشهد.. من يعيد الوصاية على غزة؟

يبدو أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي رُوّج له كخطوة نحو السلام ليس سوى بداية لمرحلة جديدة من الصراع السياسي، حيث تسعى واشنطن لإعادة صياغة مستقبل غزة بما يخدم أمن إسرائيل ويُبقي الفلسطينيين تحت الهيمنة. ترامب، الذي يتعامل مع القضية الفلسطينية كصفقة عقارية، وتوني بلير، الذي جسّد الوجه الحديث للاستعمار، يشتركان اليوم في مشروع واحد: تحويل الكارثة الإنسانية في غزة إلى فرصة سياسية واقتصادية للغرب ولحلفائه في المنطقة. أما الشعب الفلسطيني، الذي صمد في وجه آلة الحرب والدمار، فيدرك أن “السلام” الذي يُراد له أن يُفرض من شرم الشيخ إلى البيت الأبيض ليس إلا قناعًا جديدًا لاحتلال قديم.

خاتمة:

تحت شعار “إعادة الإعمار”، تُدار مؤامرة لإعادة الوصاية الأجنبية على غزة. ترامب الذي يبيع الأوهام باسم “صفقة القرن”، وبلير الذي غسل يديه من دماء العراق، يجتمعان اليوم في مسرح سياسي عنوانه “السلام”، لكن فصوله الحقيقية تُكتب بمداد النفط والدم. والنتيجة، كما يراها كثيرون، أن غزة التي قاومت القصف لن تسمح بأن تُدار من قِبل من تلطخت أيديهم بدماء الشعوب العربية.

اقرأ أيضًا : تعنت الاحتلال يُفرغ الهدنة من مضمونها: أقل من ألف شاحنة مساعدات دخلت غزة رغم وعود الوسطاء