في تحول لافت ضمن استراتيجية إعادة التموضع الأمريكية في الشرق الأوسط، أعلنت واشنطن نيتها تقليص وجودها العسكري في سوريا إلى قاعدة واحدة فقط من أصل 8، ما أثار جدلًا واسعًا حول الموقع الذي ستختاره للبقاء، في ظل تداخل الأبعاد الأمنية والسياسية والإقليمية لهذا القرار.

 قاعدة واحدة… لكن أيّها الأهم؟

المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، صرّح أن الولايات المتحدة بدأت سحب قواتها من عدة قواعد، مع التأكيد على الإبقاء على قاعدة واحدة فقط، دون تحديد موقعها علنًا.

وتضاربت التقديرات بين قاعدتين رئيسيتين:

  1. قاعدة التنف جنوب شرقي سوريا، قرب المثلث الحدودي مع العراق والأردن.

  2. قاعدتا الحسكة، الواقعتان في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الشمال الشرقي.

 التنف: الخيار الأقرب للمصالح الاستراتيجية

مصادر عسكرية رجّحت بقاء قاعدة التنف لعدة أسباب:

▪️ تقع على طريق الإمداد الإيراني بين بغداد ودمشق وبيروت، ما يجعلها ورقة ضغط حيوية على طهران.
▪️ تضم فصيل “جيش سوريا الحرة”، المدعوم أمريكيًا، والذي كان رأس الحربة في محاربة تنظيم الدولة (داعش).
▪️ القاعدة بعيدة نسبيًا عن مناطق الصدام مع القوات الروسية والإيرانية، ما يقلل من احتمالات الاحتكاك المباشر.

وبحسب مصدر عسكري سوري، فإن التنف تمثل “النقطة اللوجستية الأهم في شبكة الوجود الأمريكي”، ما يرجّح أن تكون هي القاعدة الوحيدة التي لن تُغلق.

 الحسكة: حسابات كردية وسياسية

في المقابل، لا يُستبعد أن تفضّل واشنطن الحفاظ على وجود رمزي في الحسكة، لأسباب سياسية وأمنية:

▪️ تُعتبر الحسكة معقل قوات قسد، الحليف الأمريكي الأساسي في الحرب على داعش.
▪️ قد تكون القاعدة ورقة في مفاوضات مرتقبة بين الأكراد والنظام السوري، بوساطة روسية أو إيرانية.
▪️ التواجد هناك يخدم واشنطن في الحفاظ على نفوذها في ملف شمال شرق سوريا وثرواته النفطية.

 زيارة أمريكية إلى دمشق… نحو شرعنة الوجود؟

في خطوة مفاجئة، كشفت تقارير إعلامية عن زيارة مرتقبة لوفد عسكري أمريكي إلى العاصمة دمشق، بهدف التوقيع على اتفاق “شرعي” لتنظيم الوجود العسكري الأمريكي في البلاد.

وإذا ما صحّ ذلك، فستكون هذه أول موافقة رسمية من النظام السوري على وجود عسكري أمريكي على أراضيه، ما يطرح تساؤلات عن المقابل السياسي الذي قد يُمنح مقابل هذه الخطوة، خصوصًا في ظل انسداد الحل السياسي واحتدام الصراع على النفوذ الإقليمي.

 تراجع أمريكي أم إعادة تموضع؟

▪️ سحب 500 جندي أمريكي خلال الأسابيع الأخيرة من دير الزور، وإغلاق قاعدتين في الشرق، لا يعني انسحابًا نهائيًا.
▪️ بدلاً من التمدد الأفقي، يبدو أن واشنطن تتجه إلى “التركيز النوعي” في نقطة استراتيجية واحدة، تخدم ملفات مكافحة الإرهاب، ومواجهة النفوذ الإيراني، والضغط على النظام السوري.

كما علّق المستشار السابق في الخارجية الأمريكية، حازم الغبرا، بأن الإبقاء على قاعدتين (التنف والحسكة) قد يكون الخيار الأكثر منطقية من الناحية العملياتية، لكنه لا يستبعد أن تكتفي واشنطن بالتنف حاليًا كحل وسط بين الانسحاب الكامل والتورط العسكري الواسع.

قرار القاعدة الواحدة ليس انسحابًا بل إعادة تموضع بحسابات دقيقة. وإذا كانت التنف هي القاعدة المختارة، فإن الولايات المتحدة ترسل بذلك رسالة مزدوجة:

🟥 أولاً، استمرار الضغط على إيران ونفوذها الإقليمي،
🟥 وثانيًا، الاحتفاظ بأوراق تفاوضية حيوية في الملف السوري دون تكلفة عالية.

اقرأ أيضا:  “اليد المرتعشة في الشمال”.. إسرائيل تعترف بفشلها في سوريا وتخشى تمدد أنقرة