مع اقتراب عيد الأضحى، يدخل الشاعر المصري عبدالرحمن يوسف القرضاوي يومه الـ150 في الإخفاء القسري بسجون الإمارات، فيما تستمر معاناة الناشط علاء عبدالفتاح داخل زنازين السيسي رغم انتهاء مدة حبسه. مشهد يُعيد إلى الأذهان الثأر المتواصل من رموز ثورة يناير، ومعهم كل من تجرأ على الحلم بالتغيير في مصر أو نادى بالحرية في العالم العربي.

فرغم مرور أكثر من عقد على ثورات “الربيع العربي”، إلا أن أبوظبي والقاهرة تواصلان ممارسات الانتقام من رموز هذه الحركات، في مشهد سياسي يعكس رعبًا مزمنًا من احتمالات عودة الزخم الثوري، ولو كان مجرد فكرة تتردد على لسان شاعر، أو سطر يكتبه ناشط من خلف القضبان.

عبدالرحمن القرضاوي.. شاعر الثورة في زنزانة بن زايد

لم يكن الشاعر عبدالرحمن يوسف القرضاوي سوى رمز ثقافي عبّر شعريًا عن طموحات الثورة المصرية، لكنه أصبح هدفًا مشتركًا بين نظامي أبوظبي والقاهرة، ليتم اعتقاله بلبنان أواخر 2023 وتسليمه إلى الإمارات، حيث لا يزال مختفيا منذ أكثر من خمسة أشهر دون محاكمة أو توجيه تهم رسمية.

القرضاوي الذي حمل راية الثورة في 2011 وهاجم نظام بشار الأسد وكشف تحالف الأنظمة العربية مع إسرائيل، دفع ثمن صراحته اليوم، في سجن انفرادي بالإمارات التي باتت خصمًا معلنًا لكل تعبير حر في المنطقة.

تاريخ أسرة القرضاوي بحد ذاته يكشف عمق الكراهية المتجذرة في تلك الأنظمة للتيارات الثورية، بدءًا من اعتقال شقيقته “علا” وزوجها، وانتهاءً باعتقاله هو، رغم أنه لا يحمل أي انتماء تنظيمي، بل ينتمي فقط لفكرة الحرية.

ورغم محاولات الأسرة والنشطاء والقانونيين – منهم المحامي البريطاني رودني ديكسون – لإطلاق سراحه، ترفض الإمارات الانصياع لأي ضغط دولي أو إنساني، فيما تغيب الشفافية حول مصيره.

علاء عبدالفتاح.. الناشط الذي فخانه النظام

أما في القاهرة، فالمشهد ليس أقل مأساوية. الناشط علاء عبدالفتاح، أحد رموز ميدان التحرير، لا يزال في السجن رغم انتهاء فترة حبسه المحكوم بها قانونيًا، بعد أن قضى معظم السنوات الاثنتي عشرة الأخيرة بين الزنازين والإضرابات.

ما يزيد من فداحة الانتهاك، هو دخول والدته، الدكتورة ليلى سويف، في إضراب عن الطعام منذ نحو 250 يوما، احتجاجًا على استمرار اعتقال نجلها في ظروف وصفتها منظمات دولية بـ”غير الآدمية”.

رغم أن عبدالفتاح لم يكن من أنصار الرئيس محمد مرسي، وشارك في انتقاده، إلا أن سلطات السيسي اعتقلته مرتين بعد الانقلاب، ما يعكس أن خصومة النظام ليست مع تيارات سياسية بعينها، بل مع أي صوت حر.

جهود الحكومة البريطانية، التي يحمل عبدالفتاح جنسيتها، باءت بالفشل، رغم تدخل شخصيات مثل رئيس الوزراء كير ستارمر ووزير الخارجية ديفيد لامي، ما يعكس حجم العناد السياسي لدى السيسي.

لماذا يواصل السيسي وبن زايد معاقبة ثوار يناير؟

الانتقام من علاء والقرضاوي يتجاوز الشخصيتين. إنه جزء من مشروع “وأد يناير”، الذي تقوده الأنظمة القمعية في المنطقة وعلى رأسها مصر والإمارات. المشروع الذي بدأ منذ 2013، ما زال يتواصل عبر حملات الاعتقال، والتنكيل، والشيطنة الإعلامية، والتحالفات الإقليمية التي تموّل القمع وتشتري الصمت الدولي.

يرى محللون أن السيسي جاء إلى الحكم لتنفيذ “صفقة القرن”، ما يستدعي إسكات أي صوت يرفض التفريط في سيناء أو يدافع عن القضية الفلسطينية. أما محمد بن زايد، فمهووس بتدمير الإسلام السياسي ومطاردة رموزه أينما حلوا، ويعمل على حماية “ديكتاتورية المنطقة” من أي مد ثوري.

هذا ما أكده الكاتب الصحفي قطب العربي، حين قال إن “الحكومتين المصرية والإماراتية تمارسان أبشع صور الانتقام من معارضين سلميين لم يستخدموا سوى الكلمة”. فيما يرى المهندس هشام الجعراني أن “النظامين يريدان ترسيخ خطاب التخويف من الثورة وتكميم الأفواه قبل أن تنطق”.

الرسالة المقصودة، كما قال النشطاء، هي أن “لا أمان لمن يفكر خارج الصندوق”، وهو ما يؤكده النهج الأمني المستمر في مصر: عشرات الآلاف من المعتقلين، مئات الإعدامات، وظروف سجن غير إنسانية.

فيما تعتبر الإمارات أن وجود شخص كعبدالرحمن القرضاوي، يحمل فكراً حراً، هو تهديد لبنيتها السياسية المستبدة، ولهذا يصر بن زايد على احتجازه في ظروف غامضة.

25 يناير.. الثورة التي لا تُغفر

يبدو أن “ثورة 25 يناير” لم تُغفر بعد لمن أشعلوها، لا في الإمارات ولا في مصر. فكل من نادى بإسقاط النظام أو طالب بالحرية أو كتب قصيدة عن الثورة، يدفع اليوم ثمن حلمه.

يعتقد السياسي المصري محمد سودان أن السيسي “جاء لتدمير حلم التغيير، وبأوامر خارجية، مهمته ليست خدمة الشعب بل حماية العرش والمصالح الأجنبية”. أما بن زايد فـ”نصّب نفسه حامي حمى الديكتاتوريات، وحوّل ثروات الإمارات إلى أدوات لقمع الشعوب”.

الإمارات، التي كانت الداعم الأكبر لانقلاب السيسي، وموّلت غرفة عمليات لإجهاض الربيع العربي، ما زالت اليوم تسعى لمحوه من الذاكرة الجماعية. فيما يتولى السيسي مهمة تدمير أي إرث لثورة يناير، ولو كان قصيدة أو تغريدة.

خاتمة: ثمن الكلمة الحرة

بينما يحتفل العالم بعيد الأضحى، يقبع القرضاوي وعبدالفتاح في السجون، كرمزين لمعركة طويلة بين الحرية والاستبداد، بين الشعوب التواقة للتغيير، والأنظمة المرتجفة من أي حلم بالكرامة.

الثورة لم تمت، وإن طال سجن رموزها. لكن أنظمتهم القامعة، هي من تعيش في رعب دائم من شبح يناير، الذي لم ينطفئ بعد.

اقرأ أيضًأ : صراع قوى الشر في المنطقة: أزمة نفطية وشيكة بين السعودية والإمارات تهدد مستقبل أوبك