في خطوة وُصفت بأنها انتفاضة سيادية ضد “الاستثمار الاستعماري الحديث”، أقدم المجلس العسكري في غينيا بقيادة الجنرال مامادي دومبويا على سحب امتياز تعدين البوكسيت من شركة “غينيا ألومينا كوربوريشن” التابعة لشركة “الإمارات العالمية للألمنيوم”، إحدى أذرع النفوذ الاقتصادي للإمارات في إفريقيا.

القرار، الذي بُرر بـ”عدم التزام” الشركة بالقانون الوطني للتعدين، أتى في سياق أوسع من مراجعة شاملة لعقود الشركات الأجنبية العاملة في قطاع التعدين، حيث تسعى الحكومة الانتقالية لوقف استنزاف ثروات البلاد لصالح قوى خارجية، وعلى رأسها الإمارات التي تُتهم بشكل متزايد بتحويل موارد إفريقيا إلى مصدر ربح على حساب الشعوب.

القرار المفصلي: قطيعة مع إرث الفساد والتبعية

بحسب المرسوم الرئاسي الذي قرئ على التلفزيون الرسمي، فقد أُلغي الامتياز الممنوح لشركة “غينيا ألومينا كوربوريشن” فوراً، دون منح فترة انتقالية أو تعويض، في إشارة واضحة إلى حجم الاستياء من ممارسات الشركة. كما أعلن دومبويا في مرسوم ثانٍ تأسيس شركة تعدين عامة جديدة باسم “شركة نيمبا للتعدين”، ستكون مسؤولة عن إدارة المشروع مستقبلاً.

وتُدير الشركة الإماراتية واحداً من أكبر مناجم البوكسيت في غينيا بمنطقة بوكي، وتُعد موردًا استراتيجيًا للإمارات في صناعة الألمنيوم، حيث تعتمد “الإمارات العالمية للألمنيوم” بشكل رئيسي على صادرات البوكسيت من غينيا.

هذا القرار يأتي بعد سلسلة إجراءات مماثلة ضد شركات تعدين أجنبية ومحلية، في إطار سعي النظام العسكري لإعادة هيكلة قطاع التعدين وتحقيق سيطرة الدولة على مواردها الطبيعية. وبالرغم من بيان الإدانة القوي من الشركة الإماراتية، التي وصفت القرار بأنه “مصادرة فعلية” و”انتهاك قانوني”، يبدو أن دومبويا عازم على إنهاء حقبة التراخيص الاستغلالية التي أُبرمت في فترات سابقة شابها الكثير من الفساد وضعف السيادة الوطنية.

الإمارات ونهب إفريقيا: وجه آخر للاستعمار الجديد؟

ليست هذه الحادثة الأولى التي تُتهم فيها الإمارات باستغلال الموارد الطبيعية في إفريقيا عبر شركاتها العملاقة. فقد توسعت أبوظبي خلال العقد الأخير في العديد من الدول الإفريقية، مستخدمة المال والنفوذ السياسي لشراء الامتيازات في قطاعات حساسة مثل التعدين، الموانئ، والزراعة. وفي غينيا تحديدًا، أُثيرت تساؤلات كثيرة حول العقود التي أُبرمت مع “غينيا ألومينا كوربوريشن”، خاصة فيما يتعلق بنسبة العوائد التي تعود على الدولة، ومستوى التزام الشركة بمسؤولياتها الاجتماعية والتنموية.

تاريخياً، مثلت علاقة الدول الإفريقية بشركات التعدين الأجنبية نموذجاً لنهب الموارد دون مردود حقيقي على السكان المحليين. وغينيا، رغم كونها من أكبر منتجي البوكسيت في العالم، لا تزال تصنف بين أفقر دول الأرض. ويُعزى هذا التناقض إلى غياب البنى التحتية، وتفشي الفساد، وتورط النخب السياسية في اتفاقيات تفتقر إلى الشفافية، وهو ما يحاول دومبويا تغييره ضمن رؤية جديدة لإعادة الاعتبار للسيادة الوطنية.

الرسالة الأوسع: هل تعيد غينيا تشكيل قواعد اللعبة؟

يُنظر إلى قرار دومبويا ليس فقط كإجراء قانوني ضد شركة واحدة، بل كرسالة سياسية واقتصادية موجهة للعالم، وبشكل خاص للإمارات، مفادها أن غينيا لم تعد ساحة مفتوحة للنهب المقنع. فالانقلاب العسكري الذي أطاح بألفا كوندي عام 2021 تَمثّل بوعد ضمني بطي صفحة الفساد وإعادة توزيع الثروة، لكن تنفيذ هذا الوعد ظل محدودًا حتى بدأت موجة سحب التراخيص من الشركات الأجنبية خلال الأشهر الماضية.

وبينما تُحمّل الشركة الإماراتية القرار عواقب وخيمة على 3 آلاف وظيفة محلية، فإن الرد الحكومي يتمسك بمبدأ أن الاستقلال الاقتصادي لا يتحقق إلا عبر إعادة الموارد إلى يد الدولة. في المقابل، قد يكون لتصعيد الأزمة تبعات على العلاقات الدبلوماسية بين غينيا والإمارات، التي ترى في غرب إفريقيا نقطة ارتكاز لتوسيع نفوذها الجيو-اقتصادي في ظل تراجع الاهتمام الغربي التقليدي بالمنطقة.

خاتمة: بين السيادة والاستثمار… من يكتب مستقبل إفريقيا؟

تفتح خطوة دومبويا نقاشاً أوسع حول مفهوم “الاستثمار الأجنبي” في إفريقيا، ومدى ارتباطه فعلياً بالتنمية المستدامة. فبينما تروج الإمارات لصور براقة عن مشاريعها في القارة، تشير الوقائع إلى أن غالبية هذه الاستثمارات تخدم مصالح إماراتية ضيقة، في وقت تعاني فيه الدول المضيفة من الفقر، والتهميش، وتهميش الشعوب عن إدارة مواردها.

لقد اختار الجنرال دومبويا أن يغامر بقطع علاقات مع واحدة من أغنى دول الخليج، لكنه في المقابل كسب تعاطفاً شعبياً وشعوراً متزايداً بالكرامة الوطنية. والسؤال الذي يطرحه قراره: هل تُعيد بقية الدول الإفريقية النظر في عقود الاستغلال التي تربطها بالإمارات وشركاتها؟ أم أن الاستعمار الاقتصادي سيجد طرقًا جديدة للتحايل على السيادة؟

ما حدث في غينيا قد يكون البداية فقط.

اقرأ أيضًا : الإمارات تشعل نار السودان: مرتزقة كولومبيون في خدمة حميدتي