في تصعيد جديد يُلقي بمزيد من الضوء على تعقيدات الحرب السودانية، اتهمت الحكومة السودانية، يوم الإثنين، دولة الإمارات العربية المتحدة بجلب مرتزقة كولومبيين لقتال الجيش السوداني إلى جانب قوات الدعم السريع، في خطوة اعتبرتها “انتهاكًا صارخًا للسيادة” وتحويلاً لمسار الحرب إلى نزاع إقليمي يدار بالوكالة. ورغم نفي أبوظبي المتكرر لأي دور في تمويل مليشيا محمد حمدان دقلو (حميدتي)، تكشف تقارير أممية ودبلوماسية عن دور إماراتي عميق في تسليح ودعم هذه القوات، ما يدفع البلاد نحو مزيد من الانهيار والفوضى.

تمويل إماراتي وتجنيد كولومبي: من اليمن إلى السودان

ليست هذه المرة الأولى التي يُتهم فيها النظام الإماراتي بتجنيد مرتزقة أجانب للقتال نيابةً عنه. فمنذ سنوات، استخدمت أبوظبي خبرتها المتراكمة في تحويل النزاعات إلى حروب بالوكالة، بدءًا من اليمن، حيث جندت مئات الجنود الكولومبيين لحماية مصالحها النفطية ومحاربة الحوثيين، وصولًا إلى ليبيا وأفغانستان وحتى السودان.

وفق بيان وزارة الخارجية السودانية، فإن الحكومة تمتلك “كل الوثائق والمستندات” التي تثبت تورط مرتزقة من كولومبيا ودول مجاورة، تحت رعاية وتمويل مباشر من دولة الإمارات. هذه الوثائق أُرسلت سابقًا إلى مجلس الأمن، مؤكدة أن الحرب في السودان لم تعد نزاعًا داخليًا، بل تحولت إلى ساحة لحروب مرتزقة ومصالح إقليمية، تتحكم بها أبوظبي وتديرها من خلف الستار.

تقرير أممي صدر هذا العام أكد “صدقية” مشاركة مرتزقة كولومبيين في الحرب، لا سيما في الهجمات الأخيرة على مدينة الفاشر، حيث تحدثت “القوة المشتركة” المتحالفة مع الجيش السوداني عن مقتل عدد من المرتزقة الأجانب، كانوا يديرون الطائرات المسيرة ويخططون للقصف المدفعي. فيديو بثه الجيش السوداني لاحقًا، أظهر مقاتلين أجانب “يُعتقد أنهم من كولومبيا”، أُلقي القبض عليهم بعد فشل محاولة اقتحام المدينة.

الفاشر.. معركة الفصل تكشف هوية المتورطين

مدينة الفاشر، العاصمة الوحيدة في إقليم دارفور التي لم تسقط بيد الدعم السريع، باتت اليوم رمزًا للصمود في وجه مشروع السيطرة المدعوم إماراتيًا. الحصار الذي تفرضه قوات حميدتي على المدينة منذ أكثر من عام، تحول مؤخرًا إلى محاولات اقتحام باستخدام عناصر أجنبية، ما يؤكد تحول الدعم السريع من “قوة محلية متمردة” إلى “مليشيا عابرة للحدود” مدفوعة بأجندات إقليمية.

القوة المشتركة التي تضم فصائل موقعة على اتفاق جوبا للسلام، أوضحت في بيان أن قوات الدعم السريع استخدمت “مرتزقة من خمس جنسيات” في المعركة الأخيرة، في مشهد يكشف حجم التدخل الخارجي وسقوط أي ادعاء بأن هذه القوات تقاتل لأسباب داخلية أو قبلية.

وتُعد مشاركة المرتزقة تحولًا خطيرًا، ليس فقط من ناحية القانون الدولي، بل أيضًا في تبعاته على مستقبل السودان. فوجود عناصر أجنبية يتقاضون رواتب من دول إقليمية، يجعل من استمرار الحرب ضرورة استراتيجية لأطراف خارجية تريد استمرار النزيف في السودان، مقابل تعظيم مكاسبها الاقتصادية والعسكرية.

دور الإمارات: من “داعم إنساني” إلى راعٍ للحروب

رغم محاولات الإمارات تقديم نفسها كراعٍ للمساعدات الإنسانية في المنطقة، تفضح الحرب السودانية الوجه الآخر لنفوذها في إفريقيا. ففي الوقت الذي تُوزّع فيه الإمارات “كرتونات” مساعدات على اللاجئين السودانيين في بورتسودان، تقوم بتمويل وتجنيد مقاتلين أجانب لقتل السودانيين في دارفور.

الصحف العالمية والمنظمات الحقوقية لا تتردد في فضح هذه التناقضات. تحقيقات سابقة أشارت إلى دور إماراتي في تهريب الأسلحة إلى قوات الدعم السريع عبر الأراضي الليبية، وأخرى تحدثت عن تحويلات مالية بملايين الدولارات وصلت إلى حميدتي خلال الأشهر الأولى من الحرب. واليوم، يظهر المرتزقة الكولومبيون في ساحة الفاشر، ليُضافوا إلى قائمة الجرائم التي تديرها الإمارات من خلف الستار.

ورغم اعتذار وزير الخارجية الكولومبي نهاية العام الماضي عن “تورط بعض مواطني بلاده” في القتال، إلا أن استقطابهم ما زال مستمرًا بوساطة شركات أمنية مقرها الإمارات، تُعرف بتاريخها الطويل في تجنيد المقاتلين المتقاعدين من أمريكا اللاتينية مقابل آلاف الدولارات شهريًا.

خاتمة: أي مستقبل لسودان تحكمه الأجندات الخارجية؟

ما يجري في السودان اليوم ليس مجرد حرب أهلية، بل هو مثال حي على كيف يمكن لدولة صغيرة مثل الإمارات أن تحوّل نزاعًا داخليًا إلى مأساة إقليمية. فمن تمويل مليشيا إلى استقدام مرتزقة إلى محاولة فرض واقع سياسي بالقوة، تحوّل الدعم الإماراتي إلى “صناعة حرب”، تُدار عبر خطوط النفط والطائرات المسيّرة والكولومبيين المحترفين في القتل.

السؤال الآن: إلى متى سيسمح العالم لهذا النموذج بالتمدد؟ وهل يتحول السودان إلى نسخة جديدة من ليبيا وسوريا، بفعل تدخلات مشابهة؟ الإجابة تكمن في ما إذا كان المجتمع الدولي سيتعامل مع أبوظبي كفاعل خيري كما تدّعي، أم كراعية فعلية لحرب تُزهق فيها أرواح الأبرياء من أجل مصالح إماراتية ضيقة.

اقرأ أيضًا : اعتصام أمام السفارة المصرية في تونس رفضاً لغلق معبر رفح.. وناشطون يتوعدون بالتصعيد