بقلم / عبدالله خالد
من يتابع المشهد الإسرائيلي عن كثب، لا يمكنه تجاهل التحولات العميقة التي تعصف بالمؤسسة العسكرية الأكثر تبجحًا في الشرق الأوسط. فما كانت تعتبره “إسرائيل” نقطة قوتها ودرعها الحامي – الجيش – بات اليوم جبهة داخلية مشتعلة بالأزمات النفسية، والانهيارات التنظيمية، والنقص الحاد في العنصر البشري والعتاد.

أول المؤشرات: جنود مرهقون وجيش يبحث عن الهواء
تقرير إذاعة جيش الاحتلال الإسرائيلي مساء الثلاثاء لا يمر مرور الكرام، بل يفتح الباب واسعًا أمام أسئلة كبرى حول قدرة هذا الجيش على مواصلة حربه الطويلة والمدمرة في قطاع غزة. رئيس الأركان الجديد إيال زامير نفسه لا يخفي قلقه، بل يلمّح – وربما يصرّح – بأن الجيش لم يعد قادرًا على تحمّل أعباء المواجهة المفتوحة، معلنًا خططًا لتقليص قوام قوات الاحتياط بنسبة 30% في الأشهر المقبلة.
قد يُفهم هذا التقليص في إطار إعادة التنظيم، لولا أن السياق يكشف عن مأساة أعمق: الجنود ينهارون نفسيًا، وتصل نسبة الحضور في بعض وحدات الاحتياط إلى 50% فقط، فيما تتزايد طلبات الإعفاء من الخدمة لأسباب صحية ونفسية وأسرية.
بل إن أحد قادة سرايا الاحتياط طلب إعفاءه بشكل عاجل بعد تهديد زوجته بالطلاق، في مشهد يكثّف حجم الكارثة الاجتماعية التي تنتج عن استدعاء الجنود لفترات مطوّلة دون أي دعم حقيقي من الحكومة.
اكتئاب جماعي.. من “جيش الشعب” إلى “جيش المحبطين”
تحاول القيادة العسكرية الإسرائيلية التخفيف من وقع الأزمة بتصريحات دبلوماسية أو وعود بإعادة التأهيل، لكن ما كشفه التقرير يتجاوز مسألة الروح المعنوية المنخفضة، ليصل إلى وصف واضح لحالة من الاكتئاب الجماعي وسط صفوف الاحتياط.
الجنود، وفق الإذاعة، يعانون من اضطرابات نفسية حادة، أبرزها القلق المزمن والانهيار العاطفي، بسبب طول فترة الحرب، واستمرارهم في مشاهدة مشاهد القتل والدمار يوميًا، دون أفق لانتهاء القتال أو تحقيق ما يسمونه “النصر”.
ما يحدث هنا ليس مجرد أعراض جانبية للحرب، بل هو انعكاس لانهيار منظومة التجنيد والطاقة البشرية في الجيش، الذي لطالما تفاخر بقدرته على خوض الحروب الطويلة والمعقدة، بينما يجد اليوم نفسه عاجزًا عن توفير الحد الأدنى من الصمود.
عتاد معطّل واستنزاف ميداني
كأنّ الأزمة البشرية لا تكفي، حتى تضاف إليها أزمة موازية في العتاد العسكري، حيث تحدثت الإذاعة عن عجز خطير في الدبابات وناقلات الجند، بعضها معطّل بالكامل، وبعضها غير صالح للعمليات البرية.
ولا تأتي هذه الأعطال نتيجة سوء استخدام فحسب، بل نتيجة الاستنزاف المستمر، الذي تمارسه المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، من خلال عمليات نوعية تُنفّذ بتكتيك محكم وإبداع قتالي لافت، كما وثّقته الكاميرات وأثبتته البيانات اليومية لكتائب القسام وسرايا القدس.
بلغة الأرقام، فإن مقتل 894 جندياً وإصابة أكثر من 6100 آخرين وفق بيانات الجيش – حتى وإن شكّك مراقبون في مصداقيتها – تمثل ضربة قاتلة لأي جيش نظامي يخوض حربًا في أرض معادية، ووسط بيئة قتالية شديدة التعقيد.
فجوة بين الجيش والحكومة.. ومن ينقذ من؟
تُظهر تصريحات القادة العسكريين ونبرة التقارير الإعلامية أن الجيش الإسرائيلي يشعر بأنه تُرك وحيداً في الميدان. فالحكومة – المنقسمة على نفسها والمهووسة بالحسابات السياسية – تضغط لمواصلة القتال دون أن تقدم حلولاً لأزمة الموارد البشرية أو العتاد أو الدعم النفسي.
تقرير صحيفة “معاريف” يكشف أن الجيش يعاني من نقص فعلي يقارب 7500 جندي، وأن قادة كتائب ووحدات باتوا يهددون بالتقاعد أو رفض التجديد، في ما وصفته الصحيفة بـ”الإنهاك الشامل” للجيش.
الأخطر من ذلك هو أن المؤسسة العسكرية لم تعد تحظى بالدعم الشعبي المعهود، بل تواجه تشكيكًا واسعًا في جدوى الحرب، وفي وعود النصر التي تبخرت بعد نحو عامين من القتال دون حسم حقيقي.
في غزة: معركة وعي واستنزاف وصمود أسطوري
على الضفة الأخرى، تستمر المقاومة الفلسطينية – بأذرعها المتعددة – في استنزاف الجيش الإسرائيلي بمزيج من العمليات النوعية النفسية والميدانية، في ظل ظروف كارثية يعيشها أكثر من مليوني فلسطيني تحت الحصار والمجاعة والدمار.
ومع أن آلة الدعاية الإسرائيلية تحاول تصوير الحرب كـ”واجب وطني لا بد منه”، فإن الحقائق على الأرض تقول إن “إسرائيل” لم تحقق أيًا من أهدافها المعلنة: لا تحرير الأسرى، ولا القضاء على “حماس”، ولا استعادة الردع.
بل على العكس، تكشف التقارير الاستخبارية – بما فيها تقارير أمريكية مسرّبة – أن المقاومة طوّرت قدراتها القتالية، واستفادت من طول أمد الحرب لإعادة التموضع واختبار تكتيكات جديدة تستنزف الاحتلال.
خاتمة: الجيش المهزوم من الداخل
إن ما يجري اليوم داخل الجيش الإسرائيلي ليس تفصيلاً عابرًا، بل تحول بنيوي يُنذر بتراجع دور المؤسسة العسكرية كحجر الزاوية في المشروع الصهيوني. فمن جيش “لا يُقهر”، إلى كيان متصدع يحاصره الاكتئاب، وتفتك به الأزمات النفسية واللوجستية والقيادية.
ربما لا تعلن تل أبيب هزيمتها رسميًا، لكن الانهيار لا يحتاج إلى إعلان. يكفي أن ترى جنودًا مرهقين، وضباطًا يطلبون إعفاءً، ودبابات معطلة، ومجتمعًا يشكك في جدوى الحرب، لتفهم أن الخسارة بدأت من الداخل.
اقرأ أيضًا : من زنزانة القهر.. حسام أبو صفية يتساءل: هل ما زال أحد يتذكرني؟