بقلم / فواز المهنا
من خلف قضبان السجن الإسرائيلي، ومن بين العزل والقيود الحديدية، يرتفع صوت الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان سابقًا، بسؤال موجع: “هل ما زال أحد يتذكرني؟” سؤال اختزل سنوات طويلة من النسيان، والخذلان، والوجع الإنساني الذي يعيشه مئات الأسرى الفلسطينيين، خاصة أولئك الذين اعتقلوا في ظروف الحرب وتحت راية الانتقام.
![]()
اعتقال بوحشية وصمت دولي
اعتقل الطبيب حسام أبو صفية أواخر عام 2023 خلال العدوان الإسرائيلي الشامل على قطاع غزة، وأودع في سجن سدي تيمان ثم نُقل إلى معتقل عوفر.
ما عاشه منذ تلك اللحظة لم يكن مجرد اعتقال، بل حملة ممنهجة من التنكيل النفسي والجسدي، حيث تُحرمه إدارة السجن من أبسط حقوقه كإنسان، ناهيك عن كونه طبيبًا إنسانيًا خدم الجرحى والمصابين في واحدة من أصعب مراحل القطاع.
بحسب المحامية الفلسطينية غيد قاسم، فإن الطريقة التي يُحضَر بها إلى غرفة الزيارة تكشف الكثير عن رغبة الاحتلال في إذلاله، فهو يُجر زحفًا، معصوب العينين، مكبل اليدين، محاط بأربعة سجانين، ولا يُسمح له حتى برفع رأسه. تتم الزيارة من خلف زجاج، عبر سماعة هاتفية، لا تتجاوز مدتها الثلاثين دقيقة، وتُسجل بالصوت والصورة دون أي احترام للخصوصية أو العلاقة بين المحامي وموكله.
تنكيل جسدي وتجويع ممنهج
تقرير المحامية يفضح تفاصيل صادمة عن سياسة التجويع التي يُعامل بها أبو صفية. فقد خسر الطبيب ما يقارب 40 كيلوغرامًا من وزنه منذ لحظة اعتقاله، منها 20 كيلو خلال الشهرين الأولين فقط. ما يُقدَّم له من طعام لا يتجاوز بضع ملاعق من الأرز والخبز في اليوم، ويضطر إلى جمع فتات الطعام طيلة اليوم ليأكله دفعة واحدة كي يوهم جسده بالشبع. إنها سياسة تجويع مقنّعة بالتقنين الصحي، ترقى إلى مستوى “القتل البطيء”، بحسب وصف منظمات حقوقية.
ولم ينجُ الطبيب من الاعتداءات الجسدية المباشرة، فبعد قصف مستشفى سوروكا في بئر السبع خلال الحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران، اقتحم السجانون زنزانته، وانهالوا عليه ضربًا على اليدين والقدمين والقفص الصدري، دون أي مبرر قانوني أو طبي. وبدلًا من عرضه على طبيب بعد شكواه من اضطراب في دقات القلب، قُوبل طلبه بالرفض القاطع. بل وكسرت نظارته الطبية التي أدخلتها له محاميته بعد معركة قانونية استمرت 3 أشهر.
عزلة مطبقة ومعنويات لا تُقهر
لا تقتصر المعاناة على الجانب الجسدي فقط، بل تمتد إلى عزلة نفسية كاملة. لا يعرف أبو صفية ما يدور في العالم. لم يعلم بالحرب بين إسرائيل وإيران التي دامت 12 يومًا، رغم سماعه دوي الصواريخ من داخل زنزانته. لا زيارات عائلية، ولا تواصل خارجي، ولا حتى اطلاع على الأخبار. هو معزول عن الحياة بكل ما للكلمة من معنى.
ورغم ذلك، تصفه المحامية بالأيقونة الصامدة، فمعنوياته مرتفعة، وهمّه الأساسي هو ما يجري في غزة من دمار للمستشفيات وتهديد لحياة الجرحى. فقد ابنه قبل الاعتقال، وفقد والدته بعده، لكنه لا يسأل عن نفسه، بل عن الكوادر الطبية التي كانت تعمل تحت قيادته. ولم يكن سؤاله الأول لمحاميته عن وضعه الصحي، بل عن سلامة عائلته، وبيته، وعمّا إذا كانت الناس ما زالت تذكره.
حتى القرآن الكريم الذي أُدخل له، يتشاركه مع زملائه في الزنزانة لأنه لا يُسمح بإدخال نسخة لكل معتقل. أما الملابس، فما زالت نفس الملابس الشتوية التي ظهر بها بداية اعتقاله، ولا يمتلك غيرها، يضطر لغسل ملابسه الداخلية وارتدائها وهي مبللة.
هل من ذاكرة حية لأيقونة غزة؟
قصة حسام أبو صفية ليست استثناء، بل نموذجًا فجًّا لسياسة الاحتلال في استهداف الرموز المدنية في غزة، وعلى رأسهم الأطباء. لكنها أيضًا شهادة على صمود لا يُكسر، وعزيمة لا تنحني، وإنسانية ما زالت تنبض داخل الزنازين.
ويبقى السؤال المؤلم الذي ردده في زيارته الأخيرة: “هل ما زال أحد يتذكرني؟”
هو سؤال لا يجب أن يُسقط بالتقادم، بل يُحمّل الجميع مسؤولية التذكير بقضيته. فالرجل الذي أنقذ مئات الأرواح خلال الحروب، لم يجد من ينقذه من عزلة السجون وظلمها.
اقرأ أيضًا : كمين عبسان.. سرايا القدس تباغت الاحتلال وتثبت هشاشته الميدانية